أيها الولد الرسالة الخمسون – مقالات – ناجي التكريتي

أيها الولد الرسالة الخمسون – مقالات – ناجي التكريتي

هل تشعر ان هناك مسحة من حزن او تشاؤم تسود رسائلي اليك، على الرغم من انني اوصيك بالابتعاد عن كل حزن وتشاؤم في طريق الحياة.

يبدو لي ان تركيبة جسمي، او ربما مامر عليّ من مصائب ومصاعب قد طبعتني بهذا الطابع، ولذا انصحك بالتخلص من كل شوائب الحزن والتشأوم ما استطعت الى ذلك سبيلاً.

ايها الولد- لا بأس ان اعلمك انني حزين طوال عمري، ولا اعرف ما الذي يدعوني الى هذا الشعور، وما هو السبب الذي يغلف روحي بسحابة سوداء، تقبل على حين غرة، فتسد الاجواء امامي، وتفصلني عن كل ما هو موجود حولي.

ربما لا تصدق ما افضي به اليك، وربما تشك في أمري، غير ان هذا ما هو واقع، ولا نكران لذلك، ولا يحتاج الامر الى اثبات او برهان.

كيف السبيل؟ وانا اشعر ان جذوة النار تكاد تحرق كياني لا هي اتت على وجودي فارتاح وأريح واستريح، ولا حولتني الى كوم رماد تذروه الرياح في عرض الفلاة، ثم ما يلبث ان تغطيه سافيات الرمال.

ارى الاجواء حولي واسعة متفتحة، وانا في أبهى حال، واذا بي فجأة اشعر كأن جحافل الظلام تقبل من كل جانب، حتى تسد الاجواء حولي، واراني قد حوصرت من جميع الجهات، فيضيق بي المكان، فلا منقذ هناك ولا معين.

حرقة تأخذني على حين غرة، حتى اشعر ان بعضي يأكل بعضي، من غير ان تصهرني هذه النار التي تغلف وجودي، ولا انا فقدت رشدي.

اعلم انني معي دائماً، ولم اغفل عن حقيقة وجودي لحظة واحدة، والاشياء تبدو صافية امامي، ولكن أوار النار يفعل في سوح كياني، من غير ان تكون لي القدرة على رده او اخماد جذوته.

تضيق بي الدنيا على حين غرة، حتى ارى الاجواء الواسعة قد تحولت إلى اضيق من خرم ابرة، حتى يصعب علي التحرك او النفاذ.

احاول ان اقبس من جذوة النار هذه في كثير من الاحيان، غير ان النار محرقة بطبيعة الحال، وقد عزّ النصير.

لا اخفي عليك، اني قلق من جراء ما يعتريني من حالة لاطاقة لي على ردها ولاحول، كما انني محتار لما أنا فيه.

لو كان يحتويني من طبيعة النار، لتحولت الى هشيم تذروه الرياح، ولو كانت من نور لأرتفعت في الأجواء في حالة كائن آخر لاعلاقة له بحقيقة وجودي.

ايها الولد- انا انسان، وانا اجهل حقيقة وجودي، غير ان الذي يحيرني في حالتي هذه ويشغل فكري، انني في الوقت الذي اراني عليه قعيداً على الارض بجسدي، ولكن ما ان تعتمل جذوة النار في اعماقي، حتى اراني غير ما انا فيه، وكأنني اتنكر للأشياء حولي، او قد انكر حقيقة وجودي.

ايها الولد- تمهل واعتبر، فانا اقبس من جذوة النار هذه، وحقيقة وجودي مرتبطة بوميض هذه النار المقدسة، ولولاها لما كان لي كيان في هذا الوجود.