أيها الولد الرسالة الخامسة والأربعون – مقالات – ناجي التكريتي
تحمل الالم، عش الالم، تجمّل بالالم، ولا تفتح فاك مستغرباً لما ابدأ رسالتي في الحديث عنه اليك.
ايها الولد- لا احد من بني البشر يريد الالم ناهيك عن التفكير فيه، او مجرد مروره على الخاطر.
الالم شيء ممقوت من كل احد، ولكن لو سألتك السؤال السرمدي الخالد: هل ينجو احد من الالم، خلال حياته، سواء آكانت قصيرة ام طويلة في هذه الحياة؟
الالم اذن رفيق الانسان الخالد وسميه في هذا الوجود يمجه ويحاول الابتعاد عنه، وهو الذي يعرف ان لابعاد من الالم ولا منجاة منه على الاطلاق. الالم هو الذي يعلمنا ويرشدنا الى الطريق الصواب في كثير من الاحيان.
هل رايت ان طفلاً اكتوى بنار جمرة، يقترب بعد ذلك من لظى الجمر او من لهب النار.
اعلم ان مدار حياة الانسان موقوفة على اللذة والالم، وان الانسان لايعرف طعم اللذة مالم يكتو بنار الالم.
ايها الولد لايذهبن بك الرأي الى كبائر الامور، فانصحك مثلاً ان ترمي نفسك وسط حريق كي تعرف معنى الالم، ولا اتمنى لك مرضاً، كي تشعر باللذة حين تتماثل للشفاء.
اني فقط اذكرك انك حين تمارس عملاً ما، فكرياً ام يدوياً، وانت تشعر بالتعب، وربما ان العرق يتصب على جبينك، تصور ما سوف تجنيه من جراء عملك من ارباح او فوائد، وتصور مدى الالق الذي يجري في شغاف روحك.
ايها الولد- اذا كنت مزارعاً تسير وراء المحراث الذي يشق الارض بصعوبة وانت تلهث من شدة التعب وشدة الحرارة، تخيل نشوتك حين ترى الحقل الاخضر، الذي يزهو امامك، ومنظر السنابل الذي يتحول الى لون الصفرة وهو يوحي با قتراب ايام الحصاد، وما سوف تجنيه من ارباح.
اذا كنت نحاتاً وقد أتعب الازميل اصابع يدك وانت تنقر على صخرة صماء ورذاذ الحجر يتطاير على وجهك ويتناثر على ملابسك، تصور جمال التمثال الذي سوف تصنعه، ويكون مدار اعجاب الناس وفخرك.
اذا كنت اديباً تطوي ساعات الليل ساهراً مسهداً، وانت ترصف الكلمات على القرطاس، وقد شعرت بالانهاك وربما الدوار، انتظر فقط شمس النهار حين تشرق على الملأ، وتعزف كتابتك انشودة رائقة للآخرين.
ايها الولد وحتى المرض، فان المرض ربما هو شر كبير يصيب الانسان، ولكن اسألك، وانت لا بد قد مرضت بمرض موسمي خفيف او ربما اصبت بمرض ثقيل في يوم من الايام، هل تمتعت بشفافية اللذة، التي كانت تقبل عليك، وانت تبل من المرض يوماً بعد يوم.
وهكذا ابعد الخوف عن طريقك وسر فيه راشداً فانك بالالم تتغلب على المصاعب، وانت بالالم تقوى ارادتك، وانت بالالم تكون.

















