أنا والعذاب وراك – مقالات – منهل الهاشمي

أنا والعذاب وراك – مقالات – منهل الهاشمي

 سابقا كنا نستمع ونستمتع ونشنف آذاننا بالروائع الخالدات من اغاني المطربين العظام كالعندليب عبد الحليم وفيروز ومحمد عبد الوهاب وام كلثوم ووردة ونجاة وشادية وغيرهم الكثير.. والكثير  وعلى مستوى ثالوث الاغنية كلماتً ولحناً وغناء. فعلى صعيد الشعر او الكلمات التي نتحدث عنها هنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر الاغنية الشهيرة للفنانة الكبيرة شادية (إن راح منك يا عين) الرائعة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ  إنْ على صعيد الاداء او اللحن والكلمات وخصوصا الاخيرة التي ابدعها تعبيرا وصورا شعرية الشاعر (فتحي قورة) وابدعها لحنا الملحن المعروف (منير مراد) اللَذين سبق وأن قدمّا بعضاً من الاغاني للعندليب. ففي (الكوبليهين) الاخيرين وهما اروع ما فيها تقول : (وحياة اللي جرالي وياه من غير معاد… لسهره الليالي واحرّمه البعاد… وأطفي بناره ناري… واخلص منه تاري… ولا يهمك يا عين… حيروح من قلبي فين… ده القلب يحب مرة ميحبش مرتين… ميحبش مرتين. إيّاه يقسى عَلية.. إيّاه ينسى اللي كان.. لسّة الليالي جاية.. وأكتر من زمان… ويا ويله آه يا ويله… من نار الشوق وليله.. ولا يهمك يا عين… حيروح من قلبي فين…….الخ). أوَ ليست بربكم هذه الكلمات تقطر جمالا وروعة ورقة وعذوبة وصورا شعرية مذهلة تقشعر لها الجلود لفرط ما تحمل من صدق وعاطفة وإحساس؟. فهي مكتوبة بصدق وإحساس نادر  وروعتها بل عظمتها الحقيقية تكمن في بساطتها.. لكن ما هي بالبساطة السطحية  بل البساطة العميقة.. فهي السهل الممتنع  بعيدا عن الافتعال والحذلقة والتصنع. وسرّ او مفتاح نجاحها الحقيقي هو المفتاح ذاته في اي عمل فني وادبي ناجح وخالد يكمن في كلمة واحدة أَلا وهي (الصدق). الصدق في التعبير.. وفي الاحساس.. فما يخرج من القلب حتما سيصل للقلب. ومن الواضح انها مكتوبة عن تجربة حقيقية وواقعية ولهذا جاءت محملة بكل هذا الكم من الصدق الاحساس وبالتالي التأثير في المتلقي. الحبيبة هنا جُرحت كرامتها وكبرياؤها من قبل الحبيب بقوة لذا تراها تقسم باسم الحب والعذاب وتتوعده بحقهما وحياتهما وبكل ما جرى معه من جرح وألم وعذاب ونار الشوق بأنها ستثأر لكرامتها وكبريائها وعزة نفسها الجريحة.. وسترد له الصاع صاعين.. وتُطمئِن قلبها وعينها بأنه فرّ منها.. لها !!. فمرجعه اولا واخيرا لها.. ولها فقط… فأين المفر (حيروح من قلبي فين) ؟!!…. وليكن جرحاً بجرح.. ناراً بنار.. ثأراً بثأر.. عذاباً بعذاب.. أَلماً بألم.. سهداً بسهد.. دمعاً بدمع…. وكما يقول المثل (دين بدين حتى بدمع العين)… أَفليست هذه هي حقا عدالة المشاعر والعواطف والاحاسيس في محكمة الحب ؟!!!.

  هذا ما (كنا) نستمع له وللعشرات غيره من مثل هذه الروائع ايام الزمن الجميل. تلك الروائع التي صنعت ذاكرة اجيال.. وذاكرة أمة.. وذاكرة عصر  بكل ما يحمله ذلك العصر او الزمن من خصائص ومميزات وسمات ومقومات من الصدق والوفاء والسمو والرفعة و الرقة والرقي والذوق. بعد أن كنا نستمع لرائعة عبد الوهاب (انا والعذاب وهواك) امسينا اليوم (نسمع) لا (نستمع).. فالفرق لو تعلمون عظيم.. ها نحن اولاء نسمع مهازل لما ما نسميها بالاغنية (الشبابية) !!. ولا ادري حقيقة كيف يتم تصنيف الاغاني بما تحمل من عاطفة ومشاعر واحاسيس على اساس الفئات العمرية.. فهناك اغنية شبابية واخرى (شايبية) ؟!!.. وقد تكون هناك اغنية مراهقية وكهولية فشيخوخية فأرذلية !!!. ومن يدري فلربما يأتي علينا يوم نشتري البوماً لاحد المطربين او المطربات فنجد مكتوباً على صورة غلافه (هذا الالبوم يصلح للاعمار من 15 ـ 30 سنة فقط) !!!!. هذه الاغاني (الشبابية) المغرقة بالاسفاف والانحطاط والابتذال وعلى صُعُد الثالوث نفسه (كلماتً ولحناً… ونهيقاً) !!. وكما جرى الانحطاط بالاغنية العربية جرى الحال نفسه مع الاغنية العراقية فبعد أن كنا نستمع ونستمتع بروائع الاغاني مثل (الريل وحمد) والاغاني السبعينية لكبار مطربينا ومطرباتنا ها نحن (نسمع) اليوم لاغنية لاحدى (مؤديات) الزمن الحالي الرديء تقول كلماتها (تريد بوسة.. تريد حضنة.. آني حاضر.. من هالعين ومن هالعين.. آني بخدمة الطيبين).. وتارة اخرى تقول بدلها (آني جسر للطيبين) !!!!. ولو قُدّر لي أنْ اخرج هذه الاغنية على شكل فيديو (كُليب ابن كُليب !!) لوضعت لها على ضوء كلماتها السيناريو الاتي : يدخل شاب عشريني وسيم احدى المطاعم او قاعات الحفلات. تأتيه هذه المطربة والتي هي (جسر للطيبين) تتغنج وتتمطى فتسلمه قائمة الاطعمة (المانيو). يتتبّع البطل بسبباته قائمة الموجودات ليختار ما (يشتهيه) وفيها : (تريد بوسة… حضنة…. ” اخاف اعدّد بعد ” !!!). يقول لها برقة وهو يسلمها القائمة : (بدون زحمة اريد حضنة !!!). تجيبه بمنتهى الدلع والولع.. والدلال والانحلال.. نكاية بالحلال !! : (من هالعين ومن هالعين.. آني بخدمة الطيبين… آني جسر للطيبين) !!!. وواحدة ثانية تقول متوعدة باغنية اخرى : (اريد اخون واريد اشوف شلون طعمج يالخيانة) !!!!. حسنا يا أُخية ـ كما تقول العرب ـ من الواضح انك ملهوفة !!. هذا وإنَّ اغاثة الملهوفين بل والملهوفات امثالك هو من اوجب الواجبات !!.  لذا اعزائي المواطنين على من يجد في نفسه المقدرة والكفاءة وأنه اهل لذلك فليسارع من فوره لإغاثتها.. وخير البِر عاجلهُ… والله يحب المحسنين !!!. وثالثة تخاطب حبيبها بعتب (كبسلي) فتقول : (اشبيك شارب شي حبيبي ؟!!!).

وكلها في كفة وذاك صاحبنا الذي يهتف : (جاك جيك جكجكة… فدوة اروح لأمّكة) في كفة ثانية !!.  ولأجل كل ذلك.. وبسببه أنقلب حالنا الغنائي السابق من الزمن الجميل الاصيل… وزمن الفضيلة والجمال.. من رائعة محمد عبد الوهاب (انا والعذاب وهواك) الى وضعنا الحالي البالي من الزمن العليل الثقيل… وزمن الرذيلة والاهوال.. فأمسى (انا والعذاب وراك) !!!!.