
أنا العراقي – سامي الزبيدي
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى قبلها كان العراقي إذا سافر الى دول أوربا وأمريكا أوالى أية دولة أجنبية أو عربية فانه محل ليس ترحاب تلك الدول حسب بل محل احترامها وتبجيلها وتقديرها واهتمامها به وكان يحظى برعاية خاصة ويكفيه أن يقول أنا عراقي ليحظى بهذا الاهتمام لذلك فهو لا يقول أنا كردي أو عربي أو آثوري أوأيزيدي أو مسيحي أو شيعي أوسني لان هذه التوصيفات لايعرفها الأجانب أولا ً ولا تحدد هوية الشخص مثلما يحدده الانتماء الوطني العراقي ثانيا ًفعراقنا عراق الحضارات التي علمت العالم الكتابة والقراءة والزراعة والصناعة وبناء المدن وعلمته إدارة الدولة وتشريع القوانين والشرائع الأولى,عراقنا عراق بابل وآشور الذي خضعت له الدول والإمبراطوريات فكانت جيوشه تفتح البلدان وتقارع الأقوياء وتصد الأعداء وتدافع عن الوطن وتحمي الشعب وتصون التراب,عرقنا الذي كان عاصمة الخلافة الإسلامية الراشدة وكوفتنا مركز الخلافة ,عراقنا عراق الخلافة العباسية التي امتدت حدودها من أوربا غربا ً الى حدود الصين شرقاً وأبهرت العالم بقوتها وعلومها وفنونها وعلمائها وثقافتها وآدابها وصناعاتها وزراعتها , صحيح ان العراق عاني من الاحتلال الأجنبي عقودا ً طويلة شأنه شان العديد من دول المنطقة والعالم فمن المغول والتتار الى الفرس والعثمانيين ثم البريطانيين بعد الحرب العالمية الأولى وأخيرا الاحتلال الأمريكي عام 2003 إلا أنه لن يستكين ولن يخضع للاحتلال فكان يقاوم المحتلين بكل قوة ودون هوادة وكانت ثوراته الوطنية شاهداً على مقاومته للاحتلال الأجنبي ولا أريد العودة الى التاريخ وسرد ثورات العراقيين ضد المحتلين الأجانب لكني أذَكر هنا بثورته الكبرى ضد الاحتلال البريطاني عام 1920 تلك الثورة التي مهدت لظهور الدولة العراقية الحديثة في العراق عام 1921 وهي من أولى الدول في المنطقة العربية ونتيجة لهذه الثورة أختار العراقيون الملك فيصل الأول بن الشريف حسين ملكاً على العراق معلنة بداية الحقبة الملكية وبعد عدة سنوات تم الإعلان عن استقلال العراق عن الحماية البريطانية وذلك في 3 تشرين الأول أكتوبر من عام 1932 بعد قبوله عضواً في عصبة الأمم , وخلال الحكم الملكي تم بناء مؤسسات الدولة الحديثة وبناء المدارس والكليات ومشاريع الإسكان وتطوير الزراعة والري وتطوير علاقات العراق مع الدول العربية والأجنبية واستمر الحكم الملكي في العراق حتى عام 1958 حيث بدأ العهد الجمهوري بعد ثورة 14 تموز 1958 وشهد العراق في فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم قفزات نوعية كبيرة حيث أنشأت المصانع الحديثة وافتتحت جامعة بغداد وبنيت آلاف المدارس في المدن والقرى والأرياف وتوسعت مشاريع الإسكان خصوصاً إسكان الفقراء وبنيت العديد من المستشفيات والمراكز الصحية الحديثة فكانت مدينة الطب أهم معلم طبي في المنطقة.
تحديث الاسلحة
وتم تطوير الجيش العراقي وتوسعته وتحديث أسلحته وتجهيزاته وشمل الاهتمام قوات الشرطة والأمن العراقي وصدر قانون الإصلاح الزراعي وقانون تأميم شركات النفط الأجنبية وأنشأت شركة النفط الوطنية وافتتح ميناء أم قصر مع توسيع ميناء الفاو ليستوعب تجارة العراق التي ازدهرت في تلك الفترة واستمر تطور وتقدم البلد حتى بعد القضاء على حكم عبد الكريم قاسم ولو بوتيرة أقل وأصبح للعراق مكانته الدولية والإقليمية والعربية اللائقة خصوصاً بعد أن أصبح من الدول العربية الأولى في إنتاج و تصدير النفط وتم استثمار عائدات النفط لإنشاء المصانع الجديدة وتطوير الزراعة وتطوير وتحديث القوات المسلحة العراقية وإنشاء جامعات وكليات حديثة وبناء مدارس جديدة ومستشفيات حديثة وتم تطوير العملية التربوية والتعليمية والعلمية والصحية والثقافية والأدبية والفنية والاهتمام بالحياة المعيشية للمواطنين ولولا انشغال العراق بالحرب الإيرانية العراقية التي فرضت عليه ومن ثم حرب الخليج بعد احتلاله الكويت بمؤامرة حاكتها المخابرات الإسرائيلية والأمريكية لتدمير قدرات العراق العسكرية وصناعته الحربية ومنشآته البحثية والعلمية والصناعية والزراعية والتنموية وقدراته البشرية الخلاقة وبناه التحتية المتطورة لكان العراق من الدول المتقدمة والناهضة في جميع مجالات الحياة .
قدرات العراق
وكان التقدم والتطور العلمي والصناعي والزراعي والصحي وزيادة قدرات العراق العسكرية وتطوير وتوسعة قواته المسلحة وصناعته العسكرية المتطورة سبباً لخلق الذرائع للغزو الامريكي للعراق عام 2003 الذي قضى على كل مظاهر الحياة في العراق فتم تدمير القوات المسلحة العراقية وكل قدرات العراق العسكرية ودمرت البنى التحتية للبلد خصوصاً المصانع ومعاهد الابحاث العلمية والمنشأت الصناعية والزراعية والعلمية وحتى المستشفيات والطرق والجسور والمؤسسات الحكومية ولم تسلم من التدمير حتى مساكن المواطنين فكان الدمار كبيراً وشاملا وبدأت حقبة الاحتلال الأمريكي البغيض للعراق الذي بذر بذرة الطائفية ورقته الرابحة لتقسيم العراق قومياً وطائفياً فأصدرت قوات الاحتلال القوانين الجائرة لتدمير النسيج الاجتماعي المتجانس للعراق ولإثارة النعرات الطائفية بين مكوناته وأقبح هذه القررات تشكيل مجلس الحكم على اسس قومية وطائفية وقرار حل الجيش العراقي والاجهزة الامنية ليفسح المجال لمليشيات الاحزاب التي جاء بها لتمارس عمليات الاغتيالات والقتل والاعتقالات التي طالت العلماء والأكاديميين والاطباء وضباط الجيش العراقي لافراغ العراق من طاقاته العلمية والاكاديمية والطبية والعسكرية الخلاقة وقرار اجتثات البعث الذي تم تسييسه وتمت تصفية أغلب قيادات الحزب وقواعده وحتى المواطنين الأبرياء على الشبهة والثارات ثم أكملت الأحزاب الطائفية التي جاء بها الأمريكان وسلمها مقاليد الامور فيى البلاد بعد مهزلة انتختبية غير مدروسة وغير صحيحة شابها التزويرالكبير لتستولي هذه الاحزاب على كل امور البلاد فاكملت المشروع الأمريكي الصهيوني الطائفي بامتياز من خلال إثارة النعرات الطائفية واتباع سياسة الاقصاء والتهميش والابعاد للمكونات الأخرى للشعب وتصاعدت عمليات الاعتقالات والاغتيالات والتصفيات الجسدية فقتل من قتل وهاجر من هاجر من كفاءات العراق العلمية والأكاديمية وملايين العراقيين الآخرين وفي مقدمتهم شباب العراق الذي لم يجدوا أية فرصة للعمل والعيش بكرامة واستغلت الاحزاب التي هيمنت على مقاليد الامور في البلاد نفوذها لتسرق أموال الشعب وثروته النفطية من خلال عمليات تهريب النفط كما استولت على عقارات الدولة وعقارات أركان النظام السابق وأسست لها إمبراطوريات اقتصادية ومالية من سرقة أموال الدولة والشعب وعلى حساب معاناة الشعب العراقي وآلامه و فقره وجوعه وحرمانه من أبسط حقوقه في العيش بحرية وكرامة في وطنه وزادت عمليات الفساد واصبحت سمة كل الحكومات التي تعاقبت على الحكم وأهملت عمليات البناء والأعمار وسرقت المبالغ الكبيرة المخصصة لها من قبل أحزاب السلطة وعمت الفوضى البلد واهملت الخدمات الاساسية للمواطنين خصوصاً الخدمات البلدية والصحية والتعليمية وزادت نسبة الفقر والبطالة في البلد ووصلت أرقاماً مخيفة وتردى الأمن بعد أن انيطت قيادة المؤسسات العسكرية والأمنية لضباط الأحزاب وضباط الدمج بعد قرار دمج الميليشيات في الأجهزة العسكرية والأمنية وزادت العمليات الارهابية والاجرامية وتسببت في قتل عشرات الألوف من العراقيين الابرياء وتدمير ممتلكلتهم فازدادت نسب الأرامل والأيتام كثيراُ وازداد الوضع المعيشي للمواطنين سوءاً ووصلت نسبة الفقر الى أكثر من 35 بالمئة من سكان العراق وازدادت الأوضاع الاقتصادية تدهوراً خصوصاً بعد سرقت أموال العراق وموازناته من قبل السياسيين واحزابهم المتنفذة وبعد هبوط أسعار النفط فعم الخراب والدمار والفقر والبؤس والجوع والأمراض والفاقة أغلب شرائح المجتمع باستثناء السياسيين والمسؤولين من الاحزاب الطائفية وعوائلهم ومقربيهم التي نهبت أموال الشعب وثروات الوطن وحولتها الى أرصدة في بنوك الدول الاجنبية والى شركات كبرى وعقارت فخمة في عواصم الشرق والغرب وانعكست هذه الأوضاع على حياة الشعب العراقي الذي ضاع في وطنه وشرد ونزح خصوصا بعد خيانة السياسيين الفاشلين والفاسدين الكبرى لوطنهم وشعبهم وتسليمهم عدد من محافظات العراق ومدنه الى عصابات داعش لترتكب جرائم العصر بحق أبناء شعبنا من مختلف القوميات والأديان والطوائف فأصبح العراقيون اما مهجر ومهاجر الى بلد الغربة خصوصاً الدول الاوربية التي ضاقت ذرعاً بهم أو نازح ومهجر داخل بلده بسبب خيانة السياسيين والقادة العسكريين لشعبهم ووطنهم وأصبح العراقي من غير المرحب به في أغلب الدول الاجنبية حتى تلك التي تمنح الجوء السياسي والانساني للقادمين اليها وهو غير مرحب به في الدول العربية الشقيقية بسبب السياسة الطائفية التي انتهجتها احزاب السلطة وضاقت سبل الحياة بالعراقيين خصوصاً الشباب منهم الذين تركوا وطنهم هرباً من القتل والاعتقالات والبطالة وبحثاً عن حياة آمنه ومسقبل واعد يبنون فيه حياتهم وهكذا أصبح العراقي غير مرحب به في أغلب دول العالم وحتى الذي يمتلك جواز سفر والهارب من حجيم العراق فهو يعامل معاملة الارهابي والقاتل في تلك الدول ويتم التضييق عليه وأصبحت عملية الحصول على سمة الدخول (فيزة) من قبل العراقيين للسفر الى دول أوربا غاية في الصعوبة باستثناء بعض الدول المجاورة التي تستقبل المرضى للاستفادة منهم مادياً حتى أصبح العراقي في ضل حكم الأحزاب الطائفية التي تسلطت على رقاب الشعب وظلمته وضيعته ودمرته وجوعته وأفقرته وهجرته وضيعت الوطن ودمرته من المغضوب عليهم ومن غير المرحب بهم في أغلب دول العالم .
مكانة مرموقة
والسؤال الذي يثار هنا من يعيد العراقي الى مكانته المرموقة ومقبوليته في كل دول العلم ويعيد ذلك الترحيب الذي كان يحضى به كما كلن سابقاً ؟ ومن يعيد ثقة الدول الأجنبية والعربية به وكيف ؟ إنها مسؤولية الشعب العراقي وليس السياسيين ورموز السلطة في العراق التي أوصلت البلد الى حافة الهاوية وضيعت شعبه وشردته وجردته من أبسط مقومات حياته وحريته وحقوقه ومعيشته الكريمة , الشعب العراقي مطالب بالتصدي لهذه السلطة الفاسدة والفاشلة ومن خلال الاستمرار بالتظاهرات والاعتصامات وحتى العصيان المدني وزيادة زخم هذه الممارسات للمطالبة بحقوقه وتحسين أوضاع العباد والبلاد وإبعاد هذه الأحزاب التي دمرت الشعب وضيعت الوطن من خلال تغيير قانون الانتخاب وقانون الأحزاب وتغيير المفوضية الغير مستقلة للانتخابات وانتخاب هيئة مستقلة فعلاً محلها لا وجود لأي عضو من الأحزاب الطائفية فيها , هيئة مهنية ونزيهة وأمينة وإتباع المعايير الدولية المعروفة في الانتخابات المقبلة باستخدام الأجهزة الالكترونية وبصمات العين أو اليد في عمليات الاقتراع واستخدام عمليات الفرز والعد الالكتروني لمنع عمليات التزوير وعدم السماح للأجهزة العسكرية والأمنية بالمشاركة في الانتخابات ويحدد هذا في قانون الانتخابات الجديد لأنها مجيرة للأحزاب الطائفية المتنفذة و يجب أن تجري الانتخابات سواء لمجلس النواب أو لمجالس المحافظات تحت رقابة دولية وإقليمية حقيقية وليست هامشية وعلى الشعب العراقي عدم انتخاب من ظلمه و ضيعه ودمره وسرق أمواله وثرواته ودمر البلد وقسمه وهجر الشعب وسحقه وأتعبه بل انتخاب كفاءات وطنية وأكاديمية وعلمية مجربة ونزيهة تعيد للعراق مكانته الدولية وتبني دولة مدنية حديثة دولة مؤسسات وقانون ونظام وتعيد بناء اللحمة الوطنية والتماسك الاجتماعي الذي دمره الطائفيون وتعيد بناء النفوس بحب الوطن قبل حب الطائفة والقومية دولة تعيد للعراقيين كرامتهم وتؤمن لهم العيش الرغيد وتصون حرياتهم الشخصية والحريات العامة وتؤمن لهم الأمن والأمان , دولة تعيد بناء مؤسساتها وبناها التحتية وإعادة أعمار المحافظات والمدن التي تآمر عليها الفاسدون والفاشلون والخونة وسلموها الى داعش وتعيد بناء الصناعة الوطنية وتطوير الزراعة وتقضي على البطالة والفقر والجوع والأمراض والمخدرات من خلال الاستغلال الأمثل لثروات العراق الكبيرة وأمواله الطائلة وتشجع القطاع الخاص والاستثمار المحلي والأجنبي لتعزيز اقتصاد البلد وتعيد توزيع ثروات البلاد لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين وتهتم بالرعاية الاجتماعية الحقيقية للعاجزين والمرضى وكبار السن وتعيد النظر في العملية التربوية والتعليمية وتبني المدارس والمؤسسات التعليمية الحديثة التي دمرها الفاشلون وتعيد الخدمات الصحية المجانية للمواطنين وتبني المستشفيات التخصصية وتعيد الكفاءات الطبية والعلمية والأكاديمية من دول المهجر وتقدم لهم كل التسهيلات والدعم المادي والمعنوي الذي يمكنهم من خدمة بلدهم وشعبهم وإعادة كل المهجرين والمهاجرين الذين تركوا وطنهم بسبب الظلم والجور والاعتقالات والاغتيالات والإقصاء والتهميش عند ذاك سيستعيد الوطن عافيته ويستعيد المواطن كرامته وعزته ويتفاخر بعراقيه لا بطائفته وقوميته ويكون محل ترحاب واحترام كل الدول العربية والأجنبية كما كان سابقاً ويفتخر عندما يقول أنا العراقي كما كان يقولها سابقاً ملئ فمه وقلبه وعقله.

















