معرض المغربي أحمد حجوبي
ألعاب الفنان تتسلل عبر حنين الذكريات
فيصل عبد الحسن
المعرض الجديد للفنان أحمد حجوبي في رواق باب الرواح وسط مدينة الرباط، الذي حمل عنواناً مميزاً ” حنين الذكريات ” والذي أُفتتح مؤخراً حمل جميع إشارات ورموز هذا الفنان، التي عرفها جمهور الفن التشكيلي في المغرب.
فقد أدهش هذا الفنان في معارضه السابقة المهتمين بالفن التشكيلي بمواضيعه المتنوعة، وغير المتوقعة من قبل الجمهور، والتي تشير إلى أستخدام الرسم كوسيلة أمتاع بصري لجمهوره.
فهو فاجأ جمهوره في أحد معارضه عام 2008 وكان عنوانه “الباخرة العجيبة ” بأن ملأ معرضه ببواخر ورقية، كتلك التي يصنعها الأطفال بطي الورق حتى يأخذ الورق هيئة البواخر التي في وسطها برج مراقبة مخروطي.
وفي معرض آخرعنونه ” سفر المشعوذ الصغير ” أستوحى فيه ألعاب طفولته بمدينة جرسيف التي ولد فيها عام 1972 وقد وجد الجمهور نفسه محاطاً بعدد كبير من الطائرات الورقية المثبتة بخيوط في سقف المعرض، وهي تتطاير لأقل حركة أو نسمة ريح.
الإنسان
الفنان أحمد حجوبي الذي أمتلك طريقته بالرسم التشكيلي منذ أول معارضه عام 1994 بعد أن فهم أساليب الرسم التشكيلي الحديثة عبر دراسته، وفترة تدريبه في مدرسة الفنون الجميلة في تطوان.
والمعرض الجديد للفنان حجوبي الذي ضم خمسين لوحة، وعملاً نحتياً للفنان أثارالكثير من الأسئلة لدى الجمهور الذي أحب رسمه التجريدي، ورؤيته الفنية لشكل الإنسان في أبسط طريقة عرض عُرف بها فنان في المغرب وتميز بها الفنان حجوبي.
الرأس الكبيرة والفم المميز بشفتين غليظتين والجسد الخيطي والأنف الأفريقي المفلطح، هو أنموذج مثالي للإنسان لدى هذا الفنان المرهف، ولا تمييز فيما يرسمه بين الذكر والأنثى.
أن فكرة الخالق، الواحد العالي، الرحيم، الكريم، تطغي في جميع رسومات الفنان الرمادية أو تلك التي جللها السواد، فهو يؤشر أصل الوجود لخالقه ” الله ” تعالى وربما تجد لفظ الجلالة مبثوثاً بين الخطوط، فهو يصور الكون وسعته عبر تمثيل السديم والرماد، والدخان في قمة اللوحة، وإلى جانبيها.
ويتوحد الإنسان في ذلك الكون التصوري، ممثلاً بوحشته وفرادة خلقه، وقدرته على التفكير في مصيره ومصير العالم، وقدرته على معرفة خالقه بفطرته التي فطره الله تعالى عليها.
لوحات كثيرة في المعرض عكست حيرة الإنسان وبحثه الدائم عن الكمال وطرحه الكثير من علامات الأستفهام عما لا يعرف وعما يعرف بشكل محدود ويريد أن يوسع معرفته بما عرف.
أسرار الوجود
المعرض الجديد للفنان أحمد حجوبي هو المعرض الفردي الرابع عشر وله أيضاً مشاركات في أربعة عشر معرضاً جماعياً، وقد أفتتحت معارضه الفردية والجماعية في معظم المدن المغربية، كالرباط وطنجة وفاس ومراكش، وبني ملال والدار البيضاء وغيرها وفي دول أجنبية كفرنسا والبرتغال. أبتداءً بمعرضه الشخصي عام 1993 في قاعة قصر المؤتمرات في مكناس وأخيراً في رواق باب الرواح بالرباط عام 2014 .
أن أحلام الطفولة وألعابها وتصوراتها أخذت جانباً مهماً من تصورات الفنان في معرضه الجديد، إذ توافقت طريقته التجريدية في نقل أفكاره على القماش والورق والخشب مع ما كان يشعر به الفنان، وما يتذكره من أرهاصات الطفولة.
أن عودة الفنان في معظم أعماله الفنية إن كانت لوحات تشكيلية أو حفراً على الخشب أو نحتاً إلى فطرة الإنسان، وبحثه الدائم عن الفرح والخير والحب، وبحثه الدائم عن معرفة أسرار الوجود، وحلمه الدائم بالحرية التي يتيحها الفن له.
وتميزت قدرته بفرادتها بين الفنانين المغاربة الشباب في تمثل موضوعاته بأعمال فنية، ووضع ما يشعر به من أحساسات، وفي أستخدام عميق لأحلام طفولته، لعكس رؤية فنية خاصة به.
ألعاب الفنان
وبالرغم من أن الفنان أحمد حجوبي هو من المتدربين في مدرسة الفنون الجميلة في تطوان إلا أنه لم يتأثر كثيراً بأساليب الرسم الأوربية، التي تدرسها هذه المدرسة في مناهجها، كالطبيعية، والواقعية، والرمزية، والكلاسيكية، والتعبيرية ” التأثيرية “، والأنطاعية، والأنطباعية الجديدة وغيرها من المدارس. لقد أستمد الفنان مما درس في مدرسة الفنون الجميلة بتطوان بعض المعارف التشكيلية حول مزج الألوان وطرائق الرسم الحديث، إلا أنه بقي محافظاً على عكس مشاعره وأحساساته الفنية بأستخدام ذائقته الفطرية بأستخدام مساقط الضوء والظل، والخط بالأسود والأبيض وأستخدام الألوان كالأصفر والبني الفاتح. وهو بذلك يعيد إلى الأذهان طرائق الرسم الفطري لدى الفنان المغربي وما كان يفعله عندما كان يحوك زربياته، أو يلون صناديق العرائس أو يضع التطريزات الملونة على مناديل النساء أو ما يضعه من ألوان وخطوط ونقوش على سروج الخيول أثناء الأحتفالات الدينية. كما يحدث في عيد الأضحى أو خلال ليالي شهر رمضان أو في بداية العام الهجري الجديد أو في ذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عالم أحمد حجوبي في معرضه ” حنين الذكريات ” عالم ضاج بالطفولة وأحلامها، وتساؤلاتها حول الوجود والخلق ووحدة الخالق وفطرة الإنسان، كما انه تضمن الكثير من اللوحات التي مجدت قدرة الخالق في خلق الكون والمخلوقات. وتميزت لوحاته بقياساتها الكبيرة، فهي بين مترين في متر وربع، ومتر وربع في ثلاثة أرباع المتر، وهذه القياسات الكبيرة تضع الفنان أمام صعوبات كثيرة. وأهم هذه الصعوبات، ملء فراغات اللوحة، مما لا يؤثر على وحدة الموضوع في اللوحة، وكذلك الحفاظ على التدرج اللوني في اللوحة، وعدم أقحام ألوان أو مزج ألوان لا تخدم رؤية الفنان في لوحته. لقد أضاف الفنان أحمد حجوبي إلى رصيده الفني بهذا المعرض أضافة جديدة تمثلت بجديته في طرح موضوعاته، وعدم أعتماده كما في معارضه السابقة على تجسيد ألعاب الطفولة. فالمعرض الجديد بلا ألعاب الفنان السابقة، كما كان يفعل دوماً في محاولة لأدهاش الجمهور بما يرى، لفترة محدودة ثم تزول تلك الدهشة بمجرد مغادرة الزائرين للمعرض ونزولهم إلى الشارع والحياة.


















