أغصان الكرمة-المسيحيون العرب- نصوص – بلال عرابي

أغصان الكرمة-المسيحيون العرب- نصوص –  بلال عرابي

في الدول المتخلفة والمنكوبة، لا يسير الناس مع بعضهم؛ وإنما فوق بعضهم، ولا يتعاون الجميع من أجل التقدم المجتمعي؛ وإنما يتصارع الجميع لإلغاء بعضهم…

لا يسود في المجتمع التعايش والتعاون وإنما التعصب والتنافس والتناحر.

حين يكتب المفكر العراقي عبد الحسين شعبان كتاب (أغصان الكرمة-المسيحيون العرب) فهو لا يدافع عن المسيحيين من حيث هم مكون أساسي من المجتمع، وإنما يدافع عن فكرة التعايش والتسامح، يدافع عن فكرة قبول الآخر، والتعاون معه، لأن ذلك هو أساس الدولة الحديثة التي تقوم على مفهوم المواطنة، وقبول المواطن المنتمي لمجتمع يعيش فيه الناس متساوين ومتعاونين لمصلحة المجتمع.

في كتاب (المسيحيون العرب) خمسة أقسام: القسم الأول المسيحيون وموسم الهجرة إلى الشمال: حيث يستعير د. شعبان عنوان رواية الروائي السوداني “الطيب صالح” للإشارة إلى حال المسيحيين في المشرق، حيث ساهمت موجات التطرف والتعصب والتكفير التي ضربت العراق وسورية وفلسطين ولبنان ومصر… في إجلاء وتهجير المسيحيين، ودفعهم إلى ترك ممتلكاتهم والخلاص بجلدهم إلى دول الغرب، لاسيما مع الحملة التي شنها تنظيم الدولة الإسلامية ضد المسيحيين واليزيديين، وحتى ضد المسلمين غير المبايعين، لأن الأمر بحسب داعش وعقيدتها هو تكفير الجميع، بل واستئصالهم؛ إن لم يعلنوا الولاء والمبايعة لها، والامتثال لأوامرها. الكتاب ص26

يقول د. شعبان:”المسيحيون العرب لا زالوا جزءاً أصيلاً من النسيج المجتمعي الوطني والعربي…ولا يمكن تصور العالم العربي دون وجود المسيحيين، ومنهم شخصيات مهمة في تاريخ العرب قبل الإسلام يذكر منها: حاتم الطائي وهو رمز الكرم وامرؤ القيس والنابغة الذبياني وطرفة بن العبد..أهم شعراء الجاهلية، والسمؤال اليهودي وهو رمز الوفاء…”

وساهم في نهضة العرب، والحفاظ على اللغة العربية أسماء كبيرة من المسيحيين منهم: جورج علاف وكتاب “نهضة العرب” وخليل خوري وجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وبشارة الخوري وسليم رشيد الخوري وخليل مطران وأحمد فارس الشدياق ومي زيادة وفرح أنطون وشبلي شميل وسلامة موسى…وهم أعلام فكر النهضة.

القسم الثاني: “هل المسيحيون أقلية؟”: حيث يرفض د. شعبان فكرة الأقلية بقوله:”شخصياً، لا أنظر إلى المسيحيين “أقلية” كما لا أنظر إلى أي تنوع ثقافي وخصوصية تعددية قومية أو دينية باعتبارها أقلية رغم استخدام الأمم المتحدة للفظ حقوق الأقليات، لأن المسيحيين خصوصية وتميز وتاريخ…وهم مكون تاريخي عميق، قد يكون مناسباً استخدام مصطلح الأقلية والأكثرية في نتائج الانتخابات وليس للأديان أو القوميات، أفضل استخدام مصطلح:  التنوع والتعددية الثقافية، لأنه دليل على المساواة والتكافؤ، بغض النظر عن العدد، وهو إقرار بالاختلاف والحق بالتميز” الكتاب ص108.

القسم الثالث: التغيير وإشكاليات التنوع الثقافي: شهد العراق بعد الاحتلال الأميركي 2003م، أعمال عنف واسعة النطاق ضد المسيحيين والتنوعات الثقافية الأخرى، مثل الصابئة واليزيديين والتركمان…وارتفعت موجة العنف والاحتكاكات الإثنية والدينية ضد الأقباط في مصر عام 2011م، وكذلك تطورات الأحداث في سورية منذ 2011م: تدفع الشرائح الضعيفة التي يطلق عليها “الأقليات” إلى الهجرة خارج البلاد. والقضية لا تتعلق باستبدال أنظمة وتغييرها، بقدر ما تتطلب تغيير العقليات المهيمنة، واستبدال الثقافة السائدة القائمة على الاستبعاد؛ بنشر الوعي الحقوقي والقانوني، وتعزيز احترام حقوق الإنسان؛ لكفالة مبادئ المساواة والمواطنة والعدالة ولضمان حقوق الأقليات، وهوياتهم الثقافية، وخصوصياتهم: دينية كانت أم قومية. الكتاب ص72.

القسم الرابع: إشكالات معاصرة:  يتناول د.شعبان في هذا القسم من الكتاب، القضايا المعاصرة بعد هيمنة “داعش” على محافظة ” الموصل” العراقية  في حزيران 2014م حيث نفذ التنظيم تهديداً بحق المسيحيين، بعد أن أعطاهم ثلاثة خيارات كلها مرّة: الأول قبول الأسلمة أو التأسلم، ولا نقول الإسلام لأن الإسلام يحترم الأديان الأخرى، والثاني دفع الجزية ومقدارها 200 دولار شهرياً، أما الخيار الثالث فهو الرحيل، وهو الذي اضطروا إليه للأسف، لاسيما عشية موعد الإنذار، وقام مسلحو “داعش” بسلبهم ممتلكاتهم، وجردوهم مما كانوا يحملون من نقود ومقتنيات ثمينة. ص117.

يناقش د. شعبان ما استندت إليه بعض التنظيمات “الإسلاموية” من  نصوص القرآن الكريم؛ لتحقيق أهدافها ضد “دولة الكفر” وفي دار الحرب، دون الأخذ بالاعتبار الظرف التاريخي، وتبدل الأحكام بتبدل الأزمان، وأسباب النزول، إن آيات السيف كانت محكومة بوقت نزولها، ولا يمكن تعميمها، كما يذهب بعض شيوخ الفتنة، بل إنها غير قابلة للتطبيق فهل يمكن محاربة أو قتل ثلاثة مليارات مشرك!!؟؟

ولعل بعض الدول الإسلامية وجدت دولاً غير إسلامية أقرب إليها من الدول الإسلامية، في حين دخلت بحروب ومعارك مع دول إسلامية، بل دول شقيقة أحياناً!.الكتاب ص124

الجهاد وسيلة من وسائل حماية النفس والدين، وإعلاء كلمة الحق ومجابهة الاستبداد ورد العدوان، لا أسلوباً لإكراه غير المسلمين بالقوة لقبول الدعوة الإسلامية، فالدعوة لا تقوم ولا تقبل إلا بالحكمة والموعظة الحسنة.

واعتمد د. شعبان على آراء الشيخ الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي في مفهومين للجهاد: الأول ضيق أو محدود يقتصر على الجهاد العسكري أو القتالي، والثاني واسع يعتمد على جهاد النفس ومقاومة المسلم لأهوائه وغرائزه. الكتاب ص133.

يرى د. شعبان أن فكرة دفع الجزية مقابل الحماية، وفكرة نشر الإسلام بقوة السيف، لم تعد واقعية أو ممكنة وليس لها ما يبررها، إن ملايين المسلمين الآن يعيشون في بلاد الغرب “المسيحي” ويتلقون الإعانات والدعم وينعمون بالحرية؛ بعد أن فروا من بلادهم بسبب الاضطهاد السياسي أو الديني أو القومي أو المذهبي أو غير ذلك… أتبقى هي “دار الحرب”؟

القسم الخامس: المسيحيون من منظور آخر، اللاعنف والتسامح: وجد د. شعبان في هذا القسم من المناسب مناقشة التسامح واللاعنف في الدين المسيحي، علماً أنه سبق وناقش قضية التسامح بالمجمل في كتابه “فقه التسامح 2005” السيد المسيح كان رافضاً لفكرة العنف بصورة مطلقة، لكن تاريخ المسيحية شهد حروباً طاحنة مع أصحاب البدع ومع المسلمين واليهود، الحروب الصليبية أكثرها شدةً وغلواً…لكن الكنيسة اليوم ترفض أساليب الحروب الصليبية، وتفتح حواراً شاملاً لتعزيز العلاقات المسيحية-الإسلامية.الكتاب ص145. يجدر بالذكر أنه في موجة هجرة السوريين الأخيرة دعا بابا الفاتيكان إلى فتح الكنائس لاستقبال المهجرين في كل أوروبا-آب 2015. إن التعايش مسألة حضارية إلى حد بعيد. ولعل مساجد المسلمين التي ترتفع بالمئات في كل المدن الأوربية خير دليل على ذلك.

ألحق بالكتاب عدة مقالات تتصل بقضايا المسيحيين والمواطنة، تدق ناقوس الخطر في سبيل التنبه لخطر سيطرة الجماعات المتعصبة كـ”داعش” وأخواتها على حياة شعوب المنطقة، وإفراغ المكونات الثقافية الأخرى من البلاد التي عاشوا فيها  لآلاف السنين.

في استعراض السيرة الثقافية للمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان، تجد بأن قضية نشر التسامح والتوافق واحترام الآخر: هو جهد متصل للكاتب عبر مسيرته الفكرية الطويلة: فهو مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية، ورئيس سابق للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، ومدير المركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني، ونائب رئيس جامعة اللاعنف  وحقوق الإنسان… فضلاً عن عشرات الكتب في حقوق الإنسان وفهم وقبول الآخر، وهذا الكتاب الصادر عن دار حمورابي اليوم ليس دفاعاً عن المسيحيين العرب: من مسلم أو من مسيحي … وإنما دفاع حقوقي عقلاني عن التسامح والتعايش، والإيمان بدور جميع المواطنين في البـــــــــــلاد العربية بالعمل المشترك، والتآزر في مواجهة قوى التعصب والإقصاء.