
أزمة الدواء.. غياب الرصانة وهيمنة المكاتب الإقتصادية – محمد الربيعي
لم يعد التحدي الذي يواجه حياة المواطن العراقي مقتصرا على الازمات الامنية التقليدية، بل انتقل الى عمق المؤسسة الخدمية تحت ما يمكن تسميته بـ «المخاطر الناتجة عن فساد الادارة الهيكلية». ان ما يشهده القطاع الصحي اليوم يتجاوز مجرد نقص الموارد، ليصل الى مرحلة التقويض الممنهج لجودة الخدمة الطبية، نتيجة تداخل المصالح السياسية مع ملفات الاستيراد، مما جعل من حياة المريض عرضة لموازنات الربح والخسارة في حسابات الوسطاء.فبالرغم من اجراءات توطين ودعم الصناعة الدوائية من رئاسة الوزراء الا ان الفساد يحول دون تحقيق هذه الاجراءات والمشاريع مما جعل حياة المريض رهينةً لعمولات الوسطاء. وهنا تبرز الفجوة الصادمة، فبينما تتجه ارادة رئاسة الوزراء نحو دعم وتوطين الصناعة الدوائية كحل استراتيجي، يصطدم هذا التوجه بجدار من الفساد المؤسسي الذي يعطل تحويل هذه القرارات الى امان صحي ملموس.
تشير لغة الارقام بوضوح الى فجوة خطيرة في السياسة الدوائية، فحين يغطي الانتاج الوطني ما نسبته 10-15بالمئة فقط من الاحتياج المحلي، تترك النسبة العظمى (90بالمئة) رهينة لاليات استيراد تسيطر عليها «المكاتب الاقتصادية» عبر فرض وسطاء محليين، مما ادى عمليا الى اقصاء الشركات العالمية الرصينة المبتكرة للادوية الاصلية. هذا الفراغ لم يُملا ببدائل موثوقة، بل بمنتجات تفتقر لمعايير السلامة الدولية، حيث تقدر نسبة الادوية المتداولة خارج نطاق السيطرة النوعية بنحو 40بالمئة، مما حول بعض منافذ التجهيز الى قنوات لتصريف ادوية رديئة تعرض سلامة المواطنين للخطر.
وتبرز مشكلة اسعار الادوية كاحد اكبر الاعباء التي اثقلت كاهل العائلات العراقية، نتيجة غياب سياسة «التسعيرة الموحدة» وضعف الرقابة الصارمة على الاسواق. هذا الضعف الرقابي سمح بنشاط تجارة الادوية غير المفحوصة او تلك القريبة من تاريخ النفاد، والتي تحقق ارباحا طائلة على حساب جودة العلاج.
مناقصات حكومية
وفي سياق متصل، تكشف تقارير هيئات الاستثمار والمنظمات الصيدلانية عن تراجع نشاط كبريات الشركات العالمية (مثل Roche وPfizer وNovartis) في المناقصات الحكومية، بسبب ما يُفرض من «تعقيدات ادارية» واشتراطات تفرضها جهات وسيطة، وهو ما يتعارض مع قواعد الامتثال الدولية التي تلتزم بها تلك الشركات، ويحرم المريض العراقي من الحصول على الدواء الاصلي مباشرة من المصدر.
وتتجلى اثار هذه الازمة بشكل حرج في ملف مرضى السرطان، ففي ظل تسجيل اكثر من 43,000 اصابة سنويا، تعاني المستشفيات الحكومية من عجز في «الاصناف الصفرية» (الادوية المنقذة للحياة) يتجاوز الـ 50بالمئة. هذا الواقع يضع المرضى امام خيارين احلاهما مر: اما انتظار العلاج المتوفر جزئيا، او اللجوء للسوق السوداء حيث تصل اسعار بعض الجرعات الى 3,000 دولار، في وقت تعجز فيه المنظومة عن تامين هذه الادوية بسبب تفضيل نظام «المحاصصة الاقتصادية» على معايير الكفاءة والجودة.
ان تخصيص نحو 4.8بالمئة فقط من الناتج المحلي للقطاع الصحي (يذهب جلُّها كرواتب تشغيلية) يعكس خللا في اولويات الانفاق العام، ويبتعد كثيرا عن معايير منظمة الصحة العالمية. ان هذا التراجع في تامين الدواء الرصين يمثل اخلالا بالمسؤولية الاخلاقية والقانونية تجاه المجتمع، ويعد نوعا من التهديد الصحي المنظم الذي لا يقل خطورة عن التهديدات الاخرى.
لقد استنفدت الادارة الصحية الحالية فرص التبرير بـ «الفساد الاداري» التقليدي، فنحن امام ازمة نظام شامل يتطلب اصلاحا جذريا في فلسفة التعامل مع الامن الدوائي. ان استمرار تحويل حاجة المرضى الى «فرص استثمارية سياسية» يمثل تقويضا لمفهوم الدولة وواجبها الاساسي في حماية مواطنيها، ما يجعل من اصلاح هذا الملف ضرورة وطنية لا تقبل التاجيل.
بروفسور متمرس، جامعة دبلن



















