أدب الأطفال بين الأسس المنهجية والضياع – خاطرة بين المسافات – ايناس البدران
في الوقت الذي يزداد الحديث فيه عن المطبوع الالكتروني مع ما حملته لنا التكنولوجيا الحديثة من وسائل وتقنيات معلوماتية I.Tومع تسارع ايقاع الحياة وأثر الشبكة العنكبوتية في انخفاض نسبة المقروئية والاقبال على الكتاب المطبوع المواكب لتراجع الدور التقليدي للاسرة لاسيما الام والاب والجدة ، نجد العكس تماما في الغرب على الرغم من انهم سبقونا في ايجاد واستخدام هذه التقنيات .. نجدهم مقبلين على اقتناء الكتب بأنواعها كما نلاحظ ازدهار حركة النشر والتوزيع والترجمة ذات الصلة و التي تدرّ على المؤلف والناشر وغيرهم دخلا كبيرا ، ويجري سنويا طبع ملايين النسخ من الكتب والمجلات المعنية بالطفل وآدابه وتربيته .
وجدير بالذكر أن الدول المتطورة تشهد نهوضا حقيقيا في المجالات التنموية الثقافية التربوية عبر تبني خططا وبرامج استراتيجية طويلة الامد توضع من قبل خبراء مختصين في حقل الطفولة وعلم البيدولوجي pedologyأي الدراسة العلمية للطفل وتغذية عقولهم بالمعارف وتنمية المقروئية لديهم عبر وسائل شتى لعل ابرزها توعية الكبار او ما يسمى بتربية المربى ، اذ ان فاقد الشيء لا يعطيه ، وصناعة بنى ثقافية تحتية خاصة بالطفل كمســـــرح الطفل ومسرح الدمى ومكتبة الحي مع ما تتضمنه من مكتبة حواسيب ومكتبات مدرسية ومراكز ثقافية وقنوات فضائية متخصصة بالطفولة وسينما الطفل ملحقة بملاعب واماكن ترفيهية .. الخ. وفيما تشهد الدول الطموحة نهوضا حقيقيا نلاحظ اننا مازلنا نفتقر الى فلسفة تربوية واضحة على اعلى المستويات والى تراكم معرفي ومعلوماتي كمي يفضي الى تغيير نوعي ، الامر الذي يستوجب وقفة جادة والى تضافر جهود جهات عدة معنية بالطفولة بغية الوصول بتربية ورعاية ابنائنا الى المستوى الذي يرضي الحد الادنى من طموحاتنا . وتشير الدراسات الى ان نسب الموهوبين في العراق من الاطفال تبلغ نسبا عالية في حين ان من يبرز منهم لا يتجاوز 4 % وغالبا ما يكون ذلك بجهود فردية ، وتجدر الاشارة الى ان الطفل العراقي يعدّ من اذكى الاطفال في العالم لكن قدراته ومواهبه تأخذ بالتراجع مع التقدم في مراحل الدراسة وهذه مفارقة تستحق التأمل !! وعلى الرغم من ضخامة الموازنات التي تصرف على التعليم في العراق غير ان مدارس الطين والقصب البردي والصفوف التي يفترشها طلاب المدارس الابتدائية والثانوية في المناطق النائية من العراق مازالت قائمة بشكل واسع ، وهو ما يثير التساؤلات والريبة .
وفي العملية التعليمية تتقاسم المسؤولية ثلاث جهات هي الاسرة والمدرسة والمناهج التدريسية حيث ان اسلوب الدراسة والتربية في كل من هذه الوسائل تعتمد غالبا الاسلوب التلقيني والحفظ الببغاوي بدلا من التحليل وقدح زناد الفكر باتجاه الفهم والاستيعاب الذكي . ولعل من اسوأ ما خلفه الاستعمار من مشكلات هو النظام التربوي السائد الذي اسسه وأرسى قواعده وعممه المستشار البريطاني للشؤون التربوية ايام الاستعمار دنلوب من خلال ارساء ثقافة التلقين والحفظ والاستظهار الملائي وكرسها على نحو خطير . في الوقت الذي يعتمد فيه الغرب نظاما تربويا يتناقض تماما مع النظام المطبق لدينا ، فأنظمتهم التربوية تشجع الطالب على التفكير والشك والتساؤل والمناقشة ، فالتلميذ هناك يبني قناعاته وتوجهاته على هذه الاسس وعلى التجربة والبرهان ، وهو يعامل باحترام وتقدير من المربين منذ نعومة اظفاره . ان رقي أي مجتمع يتجلى في اقبال ابنائه على المطالعة وحماستهم للقراءة والبحث والتثقيف الذاتي وهذه النزعات يجب ان تغرس في النفوس الغضّة بوقت مبكر فهذه الشريحة تعني المستقبل والوجه المشرق والصفحة البيضاء التي نكتب عليها ما نحب ونريد للغد الاجمل . وبهذا الصدد قال جان جاك روسو ” أن الهدف من التربية اعداد انســــان قابل للتعلم وليس انسانا متعلما ” وقال البرت انشتاين ” التعليم ليس في الحفظ و حشو المعلومات ، انما في تدريب العقول على التفكير ” .
وللعراق ارث ثقافي وتربوي تاريخي للاهتمام بالطفولة واسسها التربوية يمتد لعقود ، ولعل من ابرز من كتب شعرا للطفل الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي الذي يعد من رواد ادب الطفل والذي اقر بصعوبة الكتابة له . وشهد عقد السبعينيات من القرن الماضي انتقالة كبيرة بعد صدور (مجلتي والمزمار ) التي كان يطبع منها ما يقرب ربع المليون نسخة اسبوعيا وانتشرت انتشارا اقليميا ودوليا . وفي احصائية اخرى قد تجاوز عدد من كتب للطفل في تلك الحقبة المئة اديب وكاتب عراقي لكن هذا العدد مع الاسف آخذ بالتناقص والانحسار ، وهناك من يقول ان جميع من كتب للطفل او جلهم قد دخل هذا المجال كهواة لم يتسلحوا بالقدر الكافي من العلم المتعلق بسيكولوجية الطفل واهتماماته وعالمه الفريد وفقا لمراحل الطفولة المعروفة ، لكنهم تركوا اعمق الأثر والارث التربوي الادبي الثقافي لدى تلك الاجيال .
ان الرغبة بالنهوض بواقع الطفل بلا رؤيا ومشروع ثقافي تربوي وبلا خطط تنموية ثقافية يعني بلا شك هدرا للطاقات والموارد . وإن ثقافة العراق الجديد لا يمكن ان تتأسس وتبنى شخصيته دونما رعاية منظمة وعلى اسس منهجية من جميع الاطراف ذات العلاقة و بشكل متكامل وجاد .























