
زمان جديد
أطلق غورباتشوف حملته الإصلاحية الشهيرة بثلاثة مضامين الديمقراطية والشفافية وإعادة البناء (البريسترويكا ) وكان هدفه خلافاً لما إعتقده الكثيرون من أبناء بلده ومن خارج أبناء بلده هو معالجة الركود الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد البلاد بعد أن استهلك النظام السوفيتي الحماس والخوف الذي رافق بناء الصرح الاقتصادي السوفيتي الجبار وميَلان ميزان التقدم التكنولوجي وموازين القوى لغير صالح الإتحاد ، وبإختصار أراد غورباتشوف في البداية على الأقل تجديد جميع أوجه الحياة في البلاد وإعطاء الاشتراكية احدث اشكال التنظيم الاجتماعي وخلق مجتمع سوفيتي ديمقراطي شفاف تربطه المصلحة في التقدم والمشاركة في الرفاه الذي إعتقد بأن إعادة البناء ستوفره.
ما فات غورباتشوف ومنظريه أن حول كل نظام إقتصادي قائم ، تقوم هناك مصالح شخصية وحزبية ومجتمعية مستفيدة مالا وسلطة من ذلك النظام وإن إعادة بناء وهيكلة هكذا نظام ستحبطه القوى المستفيدة للحفاظ على مكاسبها وأما الحرية والشفافية فإنها ستسري في عرض البلاد وطولها سريان النار في الهشيم وسترفع غطاء القدر السوفيتي الذي كبح في داخله النعرات القومية والدينية لـسبعين عاماً من الزمان وأن تلك النعرات ستنهي عند تحريرها الاتحاد السوفيتي وهو ما حدث فعلاً إذ تحول الأمناء العامون في الحزب الشيوعي السوفيتي في الجمهوريات السوفيتية الى ديمقراطيون قوميون خرجوا بجمهورياتهم منه. و تم كبح إعادة البناء الاقتصادي من قبل قيادات المعامل والمناطق التي إستأثرت بإنتاجها وأحجمت عن دفع مستحقات غيرها من المعامل عن المواد الأولية وما شابه المجهزة لها.
ما حدث في العراق الشمولي الصدامي كاد أن يكون مطابقا لما حدث في الاتحاد السوفيتي حين رفعت الحرية الجديدة غطاء القدر العراقي الذي كبح في داخله النعرات الطائفية والعرقية لثلاثين عاما فانطلقت تحصد الأخضر واليابس ولولا قيام القوة المحتلة بقيادة الجنرال ديفيد بترايوس ومعاونة قوات الأمن العراقية المتوفرة والصحوات بسحق القاعدة لتفتت العراق على صغره شأنه شأن الاتحاد السوفيتي الكبير.
ولم تكتفي الطائفية بجولة واحدة بل عادت بصيغة داعش ومزقت البلاد ولولا بطولات الجيش العراقي وأبنائه الأربعة جهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية والحشد والبيشمركة والتحالف الدولي والأصدقاء لتفتت العراق وتوزع حصصا على دول الجوار.
رغم كل شيء نجح العراق في الحفاظ على وحدته و إقامة ديمقراطية رغم نواقصها وحرية رأي وشفافية أفضل من أية دولة في المنطقة عربية كانت أم أعجمية ولكنه فشل تماما رغم التضحيات في إزاحة الطبقة السياسية المستفيدة من تأخره وضعفه والتي دجنت شعبه ليعيد تدويرها في الحكم دورة بعد أخرى وهي من تمنعه من تحقيق الإصلاح الاقتصادي وتقديم الخدمات لمواطنيه من خلال فسادها الإداري والمالي وارتباطاتها الخارجية.
ورغم شعور العراقيين بالتعب في هذا الماراثون المضني نذكرهم بقول الإمام الشافعي:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أضنها لا تفرج
وقول ونستون تشرتشل: الديمقراطية نظام سيء ولكنه أفضل من غيره.

















