أبناء بلد يقاتلون بعضهم بعضاً – ثامر مراد

مهزلة تاريخية

أبناء بلد يقاتلون بعضهم بعضاً – ثامر مراد

 أمرونا بالتوقف عند حافة الجدار وتشاور ألأكراد المسلحون في ما بينهم ونظر الجندي الذي يجيد الكردية نحوي..غمزت له بطرف عيني أن لايتفوه بشيء. أحسستُ أن النهاية قد إقتربت. حاولت أن أفكر بشيء جميل كي أنسى احلامي وسكرات الموت التي كانت تسحقني بشكل لايوصف. حينما استندت الى الجدار شعرتُ أن الزمن توقف..يا الهي كم أن الموت صعب حينما يكون بهذه الطريقة البشعة. بسرعة البرق أخرجتُ سيكارة وضعتها في فمي بعد أن أشعلتها ثم وضعت يدي خلف ظهري كي أستند اليها. أغمضت عيني ورحت أحلم بأصدقائي في دائرة ألأعلام الخارجي.. أستقرئ الزمن الغابر بكل تفاصيله. الغريب أن عائلتي لم تخطر على ذهني في تلك اللحظة الجهنمية.

كانت الدمدمات التي يطلقها ألأكراد في ما بينهم تؤثر على خيالي الذي سرح بعيدا. تلاشت ألأصوات القريبة وذبتُ في عالم جميل. تذكرت كل تفاصيل عملي المدني ألسابق حينما رافقت عشرات الصحفيين ألأجانب والعرب بعد اليوم ألأول من تحرير الفاو وكيف كان الجيش العراقي قد فعل الشيء المستحيل لتحرير ألأرض..

كانت معركة تاريخية سطر فيها الجندي العراقي أروع وأعظم ما يمكن أن يسطره ألأنسان في التاريخ الحديث. وكيف كان الموقف صعبا بالنسبة لي عندما سحق أحد الصحفيين ألألمان لغما عند حافة الشارع وسقط على ألأرض يصرخ بأعلى صوته من شدة ألألم بعد أن طارت قدمه في الفضاء.. وأنا منغمر بلحظات الخيال البعيد التي كنت أحلق فيها سمعتُ صوتا مرعبا وبلهجة عربية غير جيدة يزمجر في الفضاء:

 تحركوا ..سنضعكم في سرداب تلك المدرسة لحين قدوم أحد المسؤولين ليقرر ماذا نفعل بكم . ونحنُ نسير جنبا الى جنب كخرفان مرهقة تُقاد الى المجزرة إقتربتُ من الجندي الذي يجيد اللغة الكردية وسألتهُ باضطراب:

ماذا حصل ؟ ”  وبلهجة سريعة مضطربة قال هامسا”.. لقد اختلفوا في ما بينهم. بعضهم يقول فلنتخلص منهم ونعدمهم والبعض ألأخر يقول فلننتظر لحين قدوم مسؤول ليقرر ذلك “.

يبدو لي أنهم لايعرفون حتى مسؤولهم فكل واحد يتصرف على هواه. حينما شارفت الساعة على الواحدة ظهرا كنا أكثر من خمسة وخمسين رجلا جالسين في سردابٍ سفلي لأحدى المدارس ألابتدائية. غرفة كبيرة نسبيا لاتزال فيها الدواليب الخاصة لخزن الكتب.

جلسنا على ألأرض متلاصقين ينظر بعضنا للبعض ألأخر بصمت. كان كل من أحمد وجعفر يجلسان الى جانبي وقد ظهر على وجه كل واحد منهما غموض تام وحيرة مطلقة.لا أدري لماذا راودني شعور غريب هذه المرة..شعور بالسعادة الدفينة. كنتُ أردد مع نفسي ” ربنا الذي أنقذني من صحراء الكويت المرعبة قادر على إنقاذي من هذا السرداب المرعب “. بين مدة وأخرى كانت مجموعة من ألأكراد تدخل علينا وهم مدججون بالسلاح…لهم لحايا كثيفة. تقدم أحد المسؤولين وقد ظهرت على وجهه علامات الغضب والقسوة. وقف في وسط السرداب واضعا يديه في حزامه وبدأ يدقق النظر في وجه كل واحد منا..بعدها قال بصوت أجش:

 إذا كان أحدكم لديه رمانة يدوية او اي سلاح فليلقه أمامي فوراً. سنفتشكم جميعا..أن وجدنا شيئا من هذا القبيل لدى أي شخص فأن حياته سوف تتحول الى جحيم .”.

لم ينبس أحد منا ببنت شفة، خيم صمت مخيف على وجوهنا جميعا. كانت القلوب تدق بعنف..والأعصاب ترتجف بخوف. بعد التفتيش خرجت المجموعة من دون أن تعثر على أي شيء.

تنفسنا الصعداء وأحسسنا بنفحة جديدة من الحياة تنسل الى ارواحنا المضطربة ونفوسنا القلقة على الرغم من أن الخطر لازال محدقا بنا.