يهود عنه.. إطلالة تاريخية – مقالات – شاكر العاني

يهود عنه.. إطلالة تاريخية – مقالات – شاكر العاني

عرضت قناة BBC  عربي الفضائية برنامجاً عن يهود العراق وبدى ممن التقاهم مقدم البرنامج حنين وحب لوطنهم الذي ولدوا على أرضه واسفت سيدة يهودية على هجرة أسرتها إلى إسرائيل وتركوا وطناً كانوا ينعمون فيه.

أحيا هذا اللقاء في نفسي ذكريات مضى عليها أكثر من 85 سنة (عمري الآن 92 سنة) وقبل أن أذهب إلى افراغ تلك الذكريات على الورق اقدم لها بمعلومة قد تساعد القارئ الكريم على معرفة ما أقصده من العودة إلى تلك الذكريات.

أولها أن المؤرخ والخبير المائي أحمد سوسة الذي كان يهودياً واسلم قرأت عنه قوله أن يهود عنه من يهود خبير الذين أخرجهم الخليفة عمر بن الخطاب من المدينة المنورة وأسباب لست في صدد ذكرها. وأضاف سوسة أن الطريق الذي سلكه اليهود حتى وصلوا إلى عنه استغرق عدة سنوات لأنهم سلكوا طريق الشام ووصلوا إلى ضفة الفرات الذي يدعون أن لديهم وعد توراتي أن تمتد دولتهم من النيل في مصر إلى الفرات وكل مكان أقاموا فيه سموه سوسة إحياءً لذكر المكان الذي كانوا يسكنون فيه في خيبر وفعلاً فإن من بين القرى المحيطة بمدينة عنه قرية أو قرتين بهذا الأسم ويقول أحمد سوسة أن اسرته هاجرت من مدينة عانه إلى الحلة كحتمية سكنت في نفوس سكان مدينة عنه سآتي على ذكرها. وأجد حقاً عليّ أن اطري وطنية هذا الرجل فقد فضل العودة إلى العراق بعد أن أكمل دراسته في أمريكا وخدم في مجال الري أي تنظيم توزيع مياه الأنهر وسمى ابنته عالية تيمناً باسم الملكة عالية زوجة ملك وام ملك. ولتفوقها ووطنيتها اسندت لها عمادة كلية الملكة عالية للبنات.

أما المعلومة الثانية فهي جغرافية مدينة عنه البشرية والأرضية والتاريخية فهي أقدم من بابل ومكانها يكاد يكون غريباً عما نعرفه عن مواقع الحواضر فاصلها جزر وسط مجرى الفرات عندما كان بحر زاخراً ومركزها القلعة وإلى جنوبها جزيرة تلبس وشمالها جزيرة الحضرة التي لا يحضرني اسمها التاريخي واغرقت المدينة وجزرها والمدينة بأكملها قبل اكمال اكتشاف آثارها التاريخية فإن كانت بابل وأور وآشور قد درست آثارها الا الآن مدينة عنه صمدت مقاومة عاديات الدهر ولكنها هزمت واغرقت تعمداً بفعل من لا يعرف قيمة الحضارة وقلت تعمداً لأن سد حديثة الذي أقيم إلى جنوبها كان مقرراً أن يقام شمالها.

إن التمدد السكاني لم يكن ممكناً وسط مجرى الفرات لذلك سكنت الضفة اليمنى من النهر ولضيق المسافة بين ضفة النهر وابط الهضبة امتدت المساكن على مسافة تصل إلى 18 كم. توزع السكان مجموعات يغلب عليها التقارب الأسري وبين كل مجموعة مساكن يفصل بينها فضاء أخضر من الزرع والبساتين ولكل مجموعة ناعور أو عدة نواعير ترفع الماء من الفرات ليجري في سواق ويسقي تلك الأرض الخضراء، وكل مجموعة تسمى أما باسم أشهر الأسر الساكنة فيها أو المكان الذي يؤدي خدمة مثل بيت حنوش بالنسبة للأسر ومحلة السراي التي تقع فيها دوائر الحكومة.

ولهذا الضيق في مساحة الأرض الذي يتبعه ضيق في مورد الرزق مع التكاثر الطبيعي للسكان لذلك كان دافع الهجرة يولد مع الوليد فهجرتهم إلى الشمال وصل حتى حلب ومعلوم أن أحد أجداد الدكتور عزت مصطفى وزير صحة دائم مع عدة أنظمة حكمت العراق كان قاضي حلب. أما الهجرة إلى الجنوب داخل العراق فقد وصلوا إلى الفاو على ضفة الخليج لذلك يبالغ من لا يرتاح لوجودهم الأمين والنشط ويقول أنه وجد عانيا أعرج وصل إلى الصين في كتب التاريخ أن يهودياً عانياً وصل الصين وكان له شأن تجاري فيها وهذا كلام في القرون الماضية قبل اختراع السيارات والطيران وأما الآن فإن لي جاراً يسكن الآن في سبيريا وليهود عنه مثل هذا الدافع ولكنه أقوى أن كانت الهجرة إلى بيت المقدس.

ليهود عنه محلتان الأولى (الصوجة) وهي اسم على مسمى فهي تقع على انعطاف الفرات نحو الهضبة حتى يلامس أبطها واسم على مسمى لأنهم منطوين على أنفسهم وعلى خلاف شديد مع يهود الشريعة ولهم معبدهم الخاص بهم وما التقوا في مناسبة مع يهود عنه حتى يتشاجروا ولا يكفوا حتى تسيل الدماء من بعضهم والغريب كما شاهدته في مناسبة احتفالهم بعيد العرازيل والعرزولة سقيفة من سعف النخيل يقيمونها داخل منازلهم وتبقى سبعة ايام ثم يرفعونها وخلال هذه الأيام لا يعملون حتى طبخ أغذيتهم فإنه يحضرونها قبل ايام العيد. وفي عصر كل يوم يذهبون إلى المعبد ويسمونه (تورات) ويخرجون هياكل من مخابئ لا أحد يعرفها ولا أحد من المسلمين فكر يوماً في معرفة المكان الذي يخبؤونها فيه ولم يفكر أن من المسلمين أن يستلهم عما ترمز هذه الهياكل وهما على شكل اسطوانة طولها ما يقرب من المتر والنصف وقطرها حوالي 30  سم قاعدتها ملساء وفي أعلى كل هيكل كرات ثلاث اثنتان على الجانبين والثالثة مرتفعة معلقة في الوسط حول كل كرة أقراص صغيرة وكلها مصنوعة من الفضة ولكل اسرة واحدة سميتها هيكل لأني نسيت اسمها العبري وأظن حسب تقديري أنها تمثل هيكل سليمان يضعونها في بداية الأمر على حافة جدار عريضة وسط ساحة المعبد ويقرأون بكتاب التوراة مثلما يظهر على شاشة التلفاز عندما يقرءون أمام حائط المبكى في القدس وثم يحمل كل واحد اثنان أو ثلاثة وقد ينفرد واحد بحمل واحدة ويدورون بها حول تلك المنصة رقصاً حتى يسقط أحدهم منهكاً ويحل محله ثاني ونحن ابناء المحلات الذين إلى جوارهم نجلس على أعلى خاتمة الجدار الذي حصنوا فيه المعبد. أذكر أن رجل بالغ أو امرأة من سلم يحضر هذا الآخذ قال لأنه مكرر ومعرف للجميع.

قلت أن عدد سكان محلة العوجة من اليهود قليل ومعبدهم صغير وأظن أنه ليس لديهم قدرة لصنع هياكل مثل تلك التي لدى يهود الشريعة لذلك يأتي بعضهم إلى معبد الشريعة للاحتفال بيوم العرازيل وكما قلت حدث بينهم شجار لا نعرف سببه وتبادلوا الضرب بعقال الرأس الذي يستعمله مرتدي الزي العربي حتى سالت منهم الدماء ولم يتقدم أحد لفظ النزاع بينهم أما يهود الشريعة الذين لنا معهم جوار معايشة فتقع مساكنه جنوب مساكن أسرتي على مسافة تزيد عن 2  كم في أقصى جنوب مركز المدينة واشهر اسرهم وأغناهم بيت سلمان العزيز وعندما وعيت الحياة كان لكبيرهم سلمان علاقة عمل وأولاده مع اخواني رحمهما الله اللذان كانا أول من أدخل السيارة إلى عنه وكان لسلمان علاقة عمل مع شركة النفط ك3  قرب بلدة حديثة واذكر عند مرّ الثائر فوزي الفاونجي بمدينة عنه بعد فشل حركة رشيد عالي احتل مخفر الشرطة المخصص لأنهم خاف اليهود وتصدوا ببيوت المسلمين ومن جاء إلى بيتها فتيات من أسرة بيت سلمان العزيز مع ما لدى الأسرة من نقود وذهب واعيدوا يرافقهم رجال من الأسرة بعد مغادرة الفاوقجي إلى سورية مع من بقى معه من الثوار.

اولاد الطائفة

وتأتي الأسرة الثانية من حيث المكانة الاجتماعية بيت (المعلم) وتلفظ كما يلفظ المصريون اسم المتقدمين في الأحياء ولهم خدمة المعبد وتعليم أولاد الطائفة قراءة كتاب التورات بالعبرية والقراءة العربية والحساب والسباحة ويقبل المعلم من يأتيه من أولاد المسلمين وقد درست على يد المعلم مبادئ الحساب قبل أن تفتح المدرسة الشرقية ولهذه الأسرة مهنة (القصابين) تذبح الذبيحة من الغنم فقط ويمد المعلم يده في جوفها فإن قال (كاشير) حلت على اليهودي أكل لحمها وإذا قال (طاريق) حرمت على اليهودي وتباع للمسلمين. أما الأسرة الثالثة فهي أسرة رئيس الطائفة وكانت لموشي أبو لحية أثناء السنين التي أكتب عنها. ولهذه اللحية قصة فالمشاهد عن موشي أنه لا يمارس أي عمل وإنما يجلس على شرفة منزله متجهاً إلى بيت المقدس يقرئ في كتاب ويحرك جسمه كما يفعل من نشاهدهم على شاشة التلفاز لليهود الذين يقفون أمام حائط المبكى في القدس. أغاظ فعله هذا رجلاً مسلماً هو المرحوم عبد الرحمن السباهي عبر عليه الفرات سباحة وصعد إلى مكانه وقص شعر لحيته ومن ذلك يضاف إلى اسمه ليميز ابو لحية عن أسماء أخرى بهذا الأسم أو للدلالة على تعصبه. وعلى ذكر التعصب أذكر الحكايات التالية لقد كان من يهود العوجه يهودي يكنى ابن تفاحة المعروف عنه أنه ذهب إلى بيت المقدس مشياً على قدميه ويدعى أنه هاجر إلى أمريكا وعاد يبشر بقيام دولة إسرائيل لأن ثقل الصهيونية كان في أمريكا. وآخر اسمه اسحاق ابن أخ موشي أبو لحية على معرفة به وإن كان أكبر مني سناً لأننا في الصفوف الأولى من المدرسة عرفنا معلمونا بفلسطين وسعى اليهود لاغتصابها من سكانها العرب. واسحاق ذهب فعلاً إلى فلسطين ولكن على سيارات شركة نيرن البريطانية وساهم في بناء المستوطنات وعاد وعلى رقبته ندبات ادعى انها حدثت جراء حمله مواد البناء الأسمنت على كتفيه والطريقة كان اسحاق يبشر بها فقد كانت صهيونية حقيقة فقد كان يحكي لنا أثناء عودتنا من المدرسة وعودته هو من عمله بائع أقشمة متجول عن جمال الفتيات الصهيونيات اللاتي يعملن عاريات معه ويغري بجمال المستوطنات التي بناها الصهاينة. وثالثهم عبد الله ابن غالية فقد ذهب على حمار متنقلاً بين قبائل البدو يمارس مهنته تبيض الأواني النحاسية يوم لم يكن الفانون والفرفوري قد استعمل كأواني طبخ.

طريق الفكة

قبضت عليه مع حوالي مئة يهودي حاولوا دخول إيران عن طريق الفكة بالعمارة وكنت يومها آمر لمخافر شرطة الحدود عام 1947 وعرفته وقص عليّ حكايته ولكن القضاء لم يعاقبهم لأنهم ادعوا أنهم جاءوا لزيارة قبر النبي عزير الذي كان قبر وقائم حتى الان في ناحية العزيز موجود إلى جنوب مدينة العمارة. على خلاف هذه النماذج من التعصب كان روفانيل مستقل بذاته عن أبناء طائفته يشارك فلاحي قرى مدينة عنه في الزراعة وتربية المواشي. ومما يجدر ذكره أن التعصب الصهيوني موجود في داخل الأسرة الواحدة فقد كان رجلان من أسرة بيت سلمان السالف ذكرها اسمه رحمين أحدهم صهيوني والآخر يخالفه يجلسان سوية في مقهى اليهود التي هي مكان لتلاقي المسلمين أيضاً يبدآن الجدل باللغة العبرية وترتفع الأصوات ورحمين الذي تخالف الصهيونية ينتزع حذاءه ولا يجد الثاني مفراً إلا الهرب. واغرب ما كان من اسرة اسحاق سالف الذكر أخوه الأوسط الذي لم أعد أتذكر اسمه شكاني لدى معلم اللغة الانكليزية لنفس الخلاف لأننا بعد أن كبرنا وبدأت أجهزة الراديو تنقل لنا الثورة الفلسطينية خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم انني لم أخطأ في املاء اللغة الانكليزية إلا أن المعلم رحمه الله أوجد الخطأ وضربني في عصا على يدي هربت من الصف ومن المدرسة وبنفس اليوم ترصدت أنا ورفاقي غريمي وأثناء عودته من المدرسة وكلت له عدة ضربات وحطمت زجاجة كان فيها خمر يأتي بها إلى ذلك المعلم وانقطعت عن الدوام حتى أخذني والدي أمام مدير المدرسة عبد المجيد الحميد وكان العذر الذي قدمه والدي أنني كنت مريضاً وقبل عذري ولكن تحطيم زجاجة الخمر كانت رسالة لذلك المعلم وعلى ذكر الخمر فإن يهودي اسمه شلومو كان يصنعه إلى اليهود ويوصله سراً إلى مجبل موزع البريد أما المعلم فكان الطالب اليهودي كاتم سره. وعلى ذكر المهن فإنهم يمارسون كل المهن صياغة الحلي والحلاقة وتجارة الأقمشة والحاجات المنزلية. ولم تكن محلة يهود الشريعة مغلقة عليهم فتسكن معهم اسر مسلمة منهم بيت شعماط وبيت حمندي منهم المرحوم عبد اللطيف جاسم باني وزارة التخطيط القائمة الآن في بغداد. والأغرب ما في هذه الأسرة اسرة موشي أبو لحية أن افاجأ يوماً عندما كنت مدير للجنسية  أن أجد أمامي ملف ليهودي اسمه متانة اسلم وتزوج من مسلمة كردية وسكن مدينة السليمانية وجاء يريد تبديل ديانته والحصول على شهادات جنسية عراقية لأولاده وزوجته وكانت المفاجأة أن أجد أن محل ولادته (عنه) وصورته ليست غريبة عني واستدعيته وإذا هو متانة زميل دراستي في المتوسطة. سبق أن كتبت على صفحات هذه الجريدة عدة مقالات تحت عنوان نهاية دولة إسرائيل معتمداً على معطيات منها أن إسرائيل مهما بلغت من القوة فإنها خلقت لها أعداء من العرب المحيطين بها وأن سبب بقائها الدعم اللا محدود من أوربا وأمريكا وغياب فكر عربي موحد كالفكر الصهيوني. ولكن إذا أخذنا بالحسبان  هذا الحراك الذي بدأه شابات وشباب هذه الأيام فلسطينيون أرعب عموم الشعب الإسرائيلي وسبق للصواريخ التي أطلقت من غزة فأحدثت خوفاً أكبر في نفوس الإسرائيليين من لم يعش في الملاجئ هرب. ولو صاحب ذلك دعوة من حكومات الدول العربية إلى اليهود الذين غادروها العودة إلى ديارهم لكان سلاح ثالث. ومع الأسف أن الحكام والامة العربية مشغولة بهمومهم والقيادة الفلسطينية مشغولة بالعيش والنوم الرغيد.