وليمة شيوعية في ذكرى التأسيس

وليمة شيوعية في ذكرى التأسيس

حمدي العطار

عمر الانسان لايقاس بعدد السنين التي يقضيها في الحياة بل يكون المعيار ما يقدمه للمجتمع عامة ولنفسه ككيان اجتماعي له متطلبات العيش الكريم والكرامة وشيئا من السعادة المقبولة،اما اعمار الاحزاب السياسية فأننا لا يمكن نكران أهمية وجودها في الساحة السياسية معتمدين على ذكرى تأسيسها وصلابة مواقفها وصحة طروحاتها وما قدمته للمشهد السياسي من انجازات في مجال السياسة اولا ومن ثم الاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية.

أحتفل “الحزب الشيوعي العراقي” في الذكرى “الثمانين” لتأسيسه في أجواء الحماس العاطفي وأثبات الوجود ورفض ملامح الشيخوخة والاصرار على التجديد والامل في التغيير والاصلاح ( بحكمة الأعوام وعنفوان الشباب ) كان يؤطر هذا الاحتفال – بالحضور الكثيف لجماهير الحزب – الذي اقيم في قاعة سينما سميراميس وحضر التاريخ السياسي العراقي كله في هذه الاحتفالية التي أثبتت للجميع بأن هذا الحزب لا يمكن أن يفقد شعبيته مع مرور الزمن ولا تتقادم أهدافه في ترسيخ الديمقراطية والبحث عن المدنية لبناء (وطن حر وشعب سعيد).

في كل سنة بتاريخ 31/آذار يحتفل الشيوعيون وأصدقاؤهم بمناسبة تأسيس حزبهم ،يستذكرون الرعيل الاول الذي وضع الاساس الصحيح للتنظيم الحزبي في (مقارعة الاستعمار والرجعية) والوقوف ضد المعاهدات والاتفاقيات التي تفقد العراق سيادته ،يتذكرون قيادتهم خاصة (فهد وسلام عادل) اللذان كانا مثالا للتضحية والثبات على المبدأ كما يتذكرون كل رفاقهم الذين أستشهدوا منذ تأسيس الحزب سنة 1934 حتى سنة الاحتفال 2014 ومن هنا جاء تكريم الحزب لكوكبة من مناضليه (عبد الرزاق الصافي ،مفيد الجزائري، الفريد سمعان،فتاح حمدون،سافرة جميل حافظ،حكمت محمد،بثينة شريف،عريان السيد خلف،ناظم السماوي،ام نضال،نوح الربيعي ،قحطان المعروف) كان سكرتير اللجنة المركزية “حميد مجيد موسى” يقبل بأمتنان رفاقه  ورفيقاته المكرمين  والمكرمات عرفانا بما قدموه من تضحيات وصبر وقوة تحمل في مسيرة الحزب الصعبة،ثمانون سنة لم ير الحزب فيها اي فسحة من الراحة والرفاهية ،توجد فواصل تاريخية تمتع فيها الحزب بحرية العمل العلني وحتى في هذه الفترات لم يسلم من المؤامرات وملاحقة اعضائه  وتصفيتهم أو تهجيرهم وزجهم في المعتقلات والسجون. لا ادري لماذا تذكرت قصيدة الشاعر المبدع (مظفر النواب) – عمر وتعدى التلاثين لا يا فلان- التي عدت قصيدة عتاب من الشاعر الى الحزب الشيوعي سنة 1974 والتي اصبحت اغنية للمطرب (ياس خضر) كان عتابه بأن العمر يمضي بك يا حزبنا ولم تحقق أهدافك وتستلم الحكم! كنت دائما اعتقد بأن الحزب الشيوعي العراقي لا يريد ان يستلم السلطة ! هو يريد ان يشارك في الحكم ولكنه لم يسع الى الانقلابات العسكرية او حتى التفكير بقيادة حركة ثورية يكون شعارها (اسقاط النظام وتسلم الحكم)،حضرنا جزءا من الاحتفال الذي تلمسنا منه قوة وشعبية الحزب الشيوعي في المجتمع العراقي رغم انعدام تأثيره السياسي من حيث المشاركة في البرلمان والحكومة ،ألا انه يمثل فاكهة ونكهة السياسة في العراق وسيستمر هذا الاريج مهما تقدم فيه الزمن، عبارات عريف الحفل (ابراهيم الخياط ) وكلمة مفيد الجزائري، وقصيدتي عريان السيد خلف والشاعر موفق محمد ) الهبت الحماس في المحتفلين وتصاعدت الاهازيج بينما كانت شابة تسير بين زحام الحضور و تلف نفسها بالعباءة العراقية وتحمل صينية فيها 80 شمعة مضاءة بعمر الحزب الشيوعي  وأمرأة أخرى تزغرد (وطش وهلية جكليت على الحاضرين) خلقتا جوا من الثقة بأن الحزب الشيوعي (يكبر لكن لا يشيخ) خرجنا من الاحتفال قبل نهايته لأن الساعة قاربت من الواحدة ظهرا ،كانت كلمات الحزب ترن في قلوبنا “النصر حليف شعبنا وقواه الديمقراطية في بناء العراق المدني الديمقراطي المزدهر” من اين يأتي الشيوعيون بكل هذه الثقة والامل ؟ وصدق الشاعر “موفق محمد” وهو يتساءل في قصيدته “فمن أي طين قد صبرك” مع هذا لقد أزدادت الشهية للذهاب الى رفاق المعتقل للقائهم  والتقاط الصور التذكارية ونتعاطى (الوليمة الشيوعية)

{  {   {

الحميمية والوعي والثقافة والبساطة والحب والمشاركة الوجدانية والضمير الحي ومساعدة الاخرين والتميز والابداع والشعور الانساني لا بد ان تكتسب جزءا منها في حالة ايمانك بالشيوعية ،قد يتخلى عنها من يكابر ويترك الشيوعية كتنظيم  ويتحامل عليها باللوم والنقد الجارح وجلد الذات ليبثت للاخرين بأنه قد هجرها نهائيا !لكن الاكثرية تبقى الافكار عالقة في دواخلهم من صفاء السريرة والقدرة على استيعاب الاخر مهما كانت هويته القومية او الدينية او المذهبية  ايا كان انحداره الطبقي غنيا ام فقيرا، حضريا ام ريفيا، موظفا ام فلاحا ام عاملا ام كاسبا ، يستطيع (الشيوعي) ان يتعايش مع الجميع لأنه لا يفتش عن الاختلافات بل عن المشتركات الانسانية ، عقله وقلبه امميا لا يؤمن بضيق الافق بل يتسع الى كل الامم!

من شارع السعدون حيث الاحتفال الجماهيري لعيد الحزب  الشيوعي الثمانين الى شارع ابو نؤاس الى (الوليمة الشيوعية) واللقاء برفاق المعتقل بعد فراق 34 سنة، كان الجميع يطيل النظر في عيون البعض وبالتأكيد كما انا هم ايضا يتذكرون فترة الاعتقال وما بقي عالقا في الذاكرة منها، كان كل واحد يتذكر حادثة او كلمة يذكر بها الاخرين ، كان “رعد حنا” حتى لم يكن شيوعيا بل هو مهووس بشتم وسب (صدام) وقد نصب له (مازن) هذا هو اسم الواشي او المخبر السري في الجيش انذاك وسجل له شريطا وكان معتقلا لهذا السبب وقد كانت حصته من التعذيب اكثر من الجميع! كان يعتقد أذا قال للحراس او المسؤولين بأنه ليس شيوعيا سوف يسهلون عليه الامر ، ولكنهم يسألونه (لعد ليش جايبيك هنا) يجيبهم المسكين (ما سويت شيء بس  سبيت السيد الرئيس) يجن جنونهم ويضربونه اكثر! “رعد” كان يملك صوتا حنونا في الغناء وقد خفف علينا وطأة السجن فهو متخصص بأغاني (عبد الحليم حافظ) وخاصة وهو يذوب عذوبة في أداء أغنية (ظلموه)! في العنبر او القاووش كان هناك اخرون ليس لهم علاقة بالحزب الشيوعي لكن اقدراهم جعلتهم معنا (مجبل او الطفل المعجزة) كما اطلق عليه – كامل مجيد- مقتبسا هذه التوصيف من الافلام الهندية حينما يكون البطل طفلا يقدمونه- و(الطفل المعجزة) – هذا جندي متطوع  كان يريد ان يترك الجيش لا نعرف من ادخل في قناعته فكرة أن يدعي بأنه شيوعي وسوف يطردونه من الجيش ! ولم يكن يعلم بأنه سوف يطرد من (الحياة)! شخصية اخرى ليست شيوعية بل ان اخاه كان شيوعيا ،تعرفون بأن النظام السابق يؤخذ الشخص بجريرة اخيه! اعتقل وتم تعذيبه واجبروه على الاعتراف بانه (عضو في اللجنة المركزية) ولا اعرف لماذا لم يعدونه من (المكتب السياسي) انسان بسيط حتى لا يفهم بالسياسة ولم يمارسها ، كان صوته في الغناء يشبه (البكاء) أطربنا في أداء اغاني (فريد الاطرش) وبالذات أغنية (ليه الظلم ليه القسوة ليه) تذكرنا “عارف” حمامة السلام كان يتدخل لأنهاء الشجار والخصام والحجز في حالات الهيجان ، نعم ليس دائما اوقات الاعتقال (غناء واحاديث ثقافية ) فهناك امتحان للمعدن الاصيل واختبار للصبر والتحمل والثبات وأذا اردت ان تعرف الشيوعي الحقيقي ادخل معه في المعتقل، “عارف” كان من الناصرية ويريد من “وليد زغير” في السجن ان يرسم له خطوط سير مصلحة نقل الركاب لتكون له دليلا عندما يزور بغداد بعد الخروج من المعتقل ! ولم يكن يعلم بأنه لو عثروا على هذه الاوراق واسماء شوارع بغداد فيها سوف (يودون جلده للدباغ) لأنهم سوف يرتبون لهم تهمة جديدة هي (مخطط لأحتلال بغداد) بعد (الانقلاب المزعوم للتنظيم).

كانت شهيتنا مفتوحة لهذه الوليمة  ،وكان لقاء ساخنا عاطفيا رغم ان الجميع تقريبا قد ترك الحزب الشيوعي بعضهم قد كون قناعات متناقضة مع افكار الحزب  – عقائديا ، وفكريا ، لكن (نور وثقافة  وطيبة ) الحزب تشع من عيونهم ،واتفقنا على جعل هذا التقليد سنويا وأطلقنا عليه تسمية (وليمة شيوعية).