
ناقوس الخطر
هل شيع الكتاب الورقي إلى مثواه الأخير؟
جواد مطر الموسوي
ا يَخفَى أَنَّ الثورةَ المعلوماتيَّة (Information revolution) الحديثة أحدَثَتْ تغييرًا جذريًّا في البناء الجوهري لِمجملِ مفاصِلِ الحياةِ ؛ إذ أَدَّتْ هذهِ الثَّورةُ إلَى انبثاقِ العالَمِ الرقميِّ (Digital World) في تسعينيَّاتِ القرنِ الماضي ، الذي أضحَى – فيما بعد – جزءًا لا يتجزّأ من واقعنا اليوميِّ، لِيُحدِثَ تطوّرًا نوعيًّا مستمّرًا في شبكات الاتّصال والتّواصلِ ، ونظمِ المعلوماتِ وتقنياتها ، ومن ثَمَّ شَهِدنَا قفزةً نَوعيَّةً في مجالِ صناعةِ الثقافةِ، بحيث أصبحَ العالمُ جهازًا صغيرًا بيد الإنسان، هذا التطوّرُ يذكِّرنا بانتقال الإنسانِ من مجتمعِ جمعِ قوتِ يومهِ وصولًا إلى إنتاجه ، والانتقالِ من المجتمعِ الزراعيِّ إلى المجتمعِ الصناعيّ.
تراجع قيمة
اليومَ باتَ واضحًا تراجعُ قيمةِ الكتابِ الورقيّ (المَخْطوُط والمطبوع) بوصفهِ الوعاء الرئيس للمعرفة، وضعُفت روح البحث العلمي الصحيح الذي بنى مناهجه على دعامة الكتاب الورقي؛ لتوفُّر البدائل عبر الشّابكة العالميَّة ، وظهور منافس جديد هوَ الكتاب الإلكتروني؛ إذ أخذ رواج الكتاب الورقي يقلُّ بين الناس، اذا لم يكُنْ قد بدأ بالانزواءِ شيئًا فشيئًا، ولاسيما أنَّ الكتاب الإلكترونيّ انماز بمزايَا تفوَّقت على مزايَا الكتابِ الورَقيّ ؛ منها: صغر حجمه بحسبِ بحجم الجهاز الّذي وُضِعَ فيهِ هذا الكتابُ ، فضلًا عن سهولَةِ نقله وقراءة المحتويات بصورةٍ مُيَسَّرَةٍ على أجهزة الحاسوب المكتبي أو المحمول (اللابتوب)، أو باستخدام أجهزه أصغر حجمًا، مثل: الآيفون والآيباد والأندرويد، او أجهزة الّتي فيها مزيَة قراءَة الكتب الألكترونية، وإمكانية عرضه باستعمال وحدة عرض البيانات (LCD) أو جهاز العارض الجداريّ (البروجيكتور) (Blended Projection) أو السبورة الذكية (Interactive whiteboard) ? ومن مزايَاه أَنَّ له قدرة توفير أدوات تساعد القارىء كثيرًا منها التكبير والنسخ والسماع…علَى أَنَّ الكتاب الورقي فيهِ من المزايَا مَا لا تَتَوَافَرُ في الكتابِ الألكترونيّ ؛ إذ إنَّهُ يجعل القارىء أكثر تفاعلًا معه ، وهوَ متوافِرٌ علَى الدّوامِ من دونِ الحاجةِ إلَى طاقة كهربائية، لكنَّ الأهمَّ من ذلك كله ظهور مؤثِّر آخر شملَ الاثنين معًا هو عزوف الناس عن القراءة ! يمكن تعريف مادة الكتابة -الكتاب- بشكل عام: هو الذي يثري اللحاءَ المخّي بكَمٍّ كبيرٍ من الأفكار والتصوّرات والمعلومات والكلمات والمصطلحات، ويحفِّز الخيال ويزيد المعرفة ويوفر لقاءَ الأمواتِ والأحياءِ في أماكنَ بعيدةٍ، ويعزِّز الذات والثقة بالنفس والقيم الحميدة ، وينبذ القيم السيئة ومحاربة الشرور ودعم الخير، وينمِّي قدرات الفرد على حلِّ مشكلاتهِ بنفسهِ عِبْرَ اطِّلاعهِ على تجارب الكتاب.
ويعرَّف الكتاب الورقي (Paper book) الّذي يُختَصَر إلى (p-book) بأنَّه مجموعة من الصحائف المكتوبة (المَخْطوُط) أو المطبوعة من الورق الموضوع بين دفتين قويتين (الغلاف).
أمَّا الكتاب الإلكتروني (Electronic book) الّذي يُختَصر إلى (e-book) فهوَ وعاء نشر الكتروني يضمُّ صورًا ونصوصًا، يُنتجُ و يُنشرُ ويُقرأ على الأجهزة اللوحية المتنوعة، وقد يكون الكتاب الالكتروني هو المقابل الالكتروني ( (PDFللكتاب الورقي، أو قد يتمُّ تأليفُهُ بصورة الكترونية من البداية، وقد لا يكون هناك كتاب مطبوع مناظر له.
ويمكنُ القولُ بعدَ ذلكَ : إنَّ هذا التطوّر الكبير في الأوعية العلميَّة ليس بجديد، فلو تتبعنا عمليَّة نشوءِ الطّباعةِ وتطوّرها عِبْرَ التأريخ، لوجدنا أنَّ الكتاب المطبوع ظهر لأول مرة في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي ثم تطوَّرَ وانتشرَ، وهو تطور من الكتاب المكتوب (المَخْطوُط) الذي هو الآخر مرَّ عبرَ التاريخ بتطورات كبيرة، بِدءًا من إنسان بلاد الرافدين الذي اتَّخذ من جدران الكهوف صفحات يخربش عليها – رسوم ورمز وخطوط وعلامات- ليعبِّرَ عن أفكاره وتصوراته، ليستفيد منها معاصروه أو مَنْ يأتي بعده، ليحدث التطور التاريخي الكبير عندما ظهر الرقم الطيني السومري (Sumerian clay plate) منذ نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، بوصفهِ حاجة لتسطير الكتابة، ومن أجلِ أن يكونَ حدًّا فاصلًا بين عصرين مهمين: عصر قبل التدوين وعصر التدوين، فكان الكتاب الأول مصنوعًا من مادة الطين النقي المجفف تحت الشمس أو المفخور بعد الكتابة عليها باستعمال قلم خاص حاد الحافة معمول من القصب وفي بعض الأحيان من المعدن أو العظم، ومن مميزات الرقم أنَّهُ سهل النقل والقراءة والمتابعة وقريبٌ من القارىء.
وتطورت مادة الكتابة، فأصبحت تكتب على لفائف البردي في مصر سنة (2700 ق.م) وبكل تأكيد جمعت بعد ذلك على شكل مجموعة من اللفائف ووضعت بين دفتي غلاف، وتطورت على شكل الكتاب الورقي في الوقت الحاضر في مصر والصين، وكان سكان اليمن قبل الميلاد ينقشون على الحجر ثم على النحاس، وعُثِرَ في الآونة الأخيرة على مجموعةٍ من النقوش الخشبية وأعواد السدر وعسب النخيل عليها نصوص من الزبور بخط المسند اليمني القديم يعود تأريخها إلى ما قبل الميلاد عثر عليها في منطقة السوداء المعروفة قديمًا بمدينة (نشأن) في محافظة الجوف، والحال نفسه عند الهنود فقد كتبوا كتابهم المقدس الفيدا على ورق الجوز العريض الذي يشبه ورق النخيل، وكتب العرب قبل الإسلام على اللخاف -الحجارة البيض الرِّقاق- كما الحال في نقوش أم الجمال، والنمارة، وكتبوا على الجلود والكرانيف (الكرب في اللهجة العراقية الحديثة) -وهو أصول السعف الغلاظ العراض اللاصقة بجذوع النخيل- كما استخدموا ورق البردي المصنوع في الصين أو في مصر وأطلقوا عليه: القبطي.
انتاج ورق
وتمكن الصيني (تساو لون) في سنة (105م) من إنتاج الورق من ألياف النباتات ولب الأشجار، وأصبحت صناعته سرًا مقدسًا في القرن الثاني الميلادي لا يمكن البوح به، واستطاع المسلمون كشف سر صناعته سنة (751م/ 133هـ) عندما انتصروا على الصينيين في معركة طلس- بقيادة زياد بن صالح والي سمرقند- الّتي دارت على ضفاف نهر طلس (Talas) في تركستان، في زمن الإمبراطور الصيني (زوان زونج) من أسرة تانج (Tang) الذي كان عصره ذهبيًاً.
ومن نتائج المعركة تغير التاريخ الصيني في أوسط اسيا وانتشار الإسلام قي الأقاليم والمدن المسيطر عليها، ومنها: فرغانة وحصول العرب على تقنية صناعة الورق بسبب وقوع عدد من الأسرى من عمال صناعته في أيدي المسلمين، وسيطرتهم على مصانعه في فرغانة، كما أمر والي سمرقند بإقامة مصنع للورق، وقد طغى ورق سمرقند (الكاغد) الذي كان ينقل إلى العاصمة بغداد وإلى مختلف المدن الإسلامية؛ ومنها: الأندلس، وفي سنة (794م) تأسسَ في بغداد أول مصنع للورق، فظهر الكتاب المَخْطوُط الإسلامي الذي كان له رواج واسع في العالم آنذاك ولا سيما في أوربا.
ويُعتقد أن الصينيين هم أول من عرف الكتاب بشكله الحديث؛ إذ استخدموا قوالب الخشب المحفور عليها أشكال وكتابات، فكانت تبلل بالأصباغ ثم تضغط على الورق، ويعد الصيني بي تشينج (Bi-Sheng) أول من قام باختراع حرف مستقل لكل رمز من رموز اللغة سنة (1045م) وبسبب كثرة الرموز المستخدمة في اللغة الصينية لم تلقَ تلك الفكرة قبولاً لدى الصينيين ، وبعد أن استطاع الأوروبيون طبع أول منتج باستخدام طريقة القوالب وهي صورة القديس كريستوفر سنة (1423م)، انتشرت طباعة الكتب في أوروبا باستخدام تلك الطريقة.
وفي مطلع القرن الثامن عشر الميلادي أصبح الكتاب الورقي المطبوع يشبه إلى حدٍّ ما الكتاب في الوقت الحاضر، بعد ان قامت دار إيلزفير – من أسرة ليدن الهولندية- بطبع ونشر الكتب، وتمكن نبيل إنجليزي من تحسين طباعة الكتاب الورقي باختراعه آلة طباعة كاملة من الحديد، وقام الألماني فريدريك كويننج (Friedrich Koening) في سنة (1811م) باختراع آلة طباعة أسطوانية تعمل بالبخار، الأمر الذي زاد من كفاءة طباعة الكتاب وسرعة إنجازه، وفتح المجال واسعًا أمام تطور صناعة الكتاب عندما قام عالم الطبيعة الفرنسي جوزيف نيبس (Joseph Niepce) في سنة (1826م) باختراع أول آلة تصوير ضوئي في العالم، وأخذت صناعة الكتاب تتطور شيئًا فشيئًا.
طباعة الاوفسيت
وفي بداية القرن العشرين تمكن الأمريكي آيرا روبل (Ira Ruble) من استخدام طباعة الأوفست التي انتشرت على نطاق واسع، ثم قفز فن صناعة الكتاب قفزات واسعة مع النهضة العلمية والتقدم التقني في نهاية القرن العشرين، ولاسيما بعد اختراع أجهزة الحاسوب التي اعتمد عليها في صف حروف الكتاب وتنسيقها، ثم استخدام أشعة الليزر في تنسيق الحروف والصور والألوان وصفحات الكتاب، وفي مطلع القرن الحادي والعشرين وصلَت صناعة الكتاب الورقي ذروتها، وأضحَى الكتاب في حُلَّةٍ زاهيَةٍ . وهنا لابد من القول : إنَّ الكتاب الورقي المطبوع في العالم العربي، ظهر بعد وصول أول مطبعة حجرية دخلت إلى بغداد سنة (1816م) وطبعت فيها صحيفة مجلة العراق (Iraq Journal) وأسسها داود باشا الكرجي، ثم مطبعة التفليس في الكاظمية سنة (1822م) وفي مصر مطبعة بولاق سنة (1822م) والقدس سنة (1830م) ولبنان سنة (1834م) لكن طباعة الكتاب الورقي المطبوع شهد تطورًا كبيرًا في لبنان ومصر أكثر من بقية الدول العربية.
وَلَنَا بعَد مَا تَقَدَّمَ أنْ نُثيرَ تساؤلًا مُهِمًّا وَخطيرًا في الوقتِ عَيْنِهِ ، وَهوَ أشبهُ مَا يَكونُ بناقوسِ الخَطرِ الّذي يَقضُّ مَضَاجِعَنَا : في ظلِّ هذهِ الثَّورَةِ الرَّقميَّةِ المُتَسَارِعَة في العَالَمِ ، وازديَادِ المحتوَى الرَّقميِّ من شَتَّى أنواعِ المعرفَةِ ولا سيمَا هيمنَة الكتابِ الألكترونيّ علَى مسَاحةٍ واسِعَةٍ من الشّابكةِ العالَميَّةِ ، هل خَفَتَ بَريقُ الكتابِ الوَرَقيّ ؟ أو : بسؤالٍ آخر أكثر تشاؤمًا : هل شُيِّعَ الكتابُ الوَرَقيُّ إلَى مثواه الأخير؟!
{ رئيس اللجنة العلمية في المجمع العلمي- بغداد

















