
مواسم الثلج والنار للروائي كاظم الشويلي
تضاد الأشياء وإحالات إجتماعية
حميد الحريـــــــــــزي
يحيلنا عنوان الرواية الى التضاد بين البارد جدا المتصلب ألا وهو الثلج ، والحار جدا المتمدد وهي النار ، وهي احالة الى مواقف اجتماعية متضادة ومتناقضة بين برود في السلوك والتصرف ، بالضد من السخونة الملتهبة الحماسية المتفجرة ، بين حالة الانكفاء والتكلس وحالة الفوران والامتداد اللامحدود ..بين السلبية حد الانطواء على الذات الى الثورية الفاعلة المتدفقة ..
ثلوج متراكمة
للعنوان خلفية مادية واقعية بدلالة ثلوج جبل ((ماوت)) المتراكمة التي تغطي كل شيء ونيران الحرب الساجرة بين القوات الايرانية والقوات العراقية اثناء حرب ((قادسية صدام )) العبثية التي اندلعت بين حكم صدام البعثي وبين حكم الخكيني الاسلامي والتي دامت أكثر من ثمان سنوات عجاف احرقت الاخضر واليابس في البلدين على حد سواء وبتغذية نيران الحرب بالعتاد والسلاح من قبل الدول العظمى لانهاك البلدين واستنزاف ثرواتهم البشرية والمادية . الرواية تحي على لسان المتكلم بصيغة ضمير الأنا، فقد تعبر عن السيرة الذاتية للمؤلف الروائي كاظم الشويلي ذاته خصوصا وان الشخصية الرئيسة في الرواية هي ((كاظم)) السائق كاظم الأديب . تسرد الاحداث بشكل تسلسلي خيطي من حيث الحدث والزمن ، عبر 50 فصلا و 112 صفحة من الحجم المتوسط ، والفصول لاتعني اكثر من فواصل زمنية لزمن متصل غير منقطع ، يدور السرد بين شخصية كاظم الاديب الروائي – السائق، والمهندسة الحسناء –وداد – والزوجة ام علاوي وأطفالها ، والمندس عدي ، وصاحب المقهى هادي بالاضافة للمهندس احمد الذي اقتصر دوره ليكون وسيلة للتعريف بأدبية السائق كاظم ليكون معلوما للمهندسة وداد التي تعاملت مع باستعلاء كسائق … يمر كاظم السائق بأختيار صعب بين الحفاظ على عفافه وامانته لزوجته أم علاوي أو ينهار ويضعف أمام سحر وداد واغرائها وجمالها الباذخ وتبرجها الجذاب لتنتهي هذه المعناة بزواج وداد من زميلها المهندس عدي بعد أن يأست من كاظم ، حيث كانت تلعب لعبة مزدوجة بين كاظم وعدي. بمرور الايام وأعتياد كاظم بنقل وداد من ساحة عدن الى الى محل عملها في الشركة وبالعكس ، طلبت منه أن يحكي لها عن حياته الخاصة وقصة وقوعه في الاسر من قبل القوات الايرانية وهو السؤال الذي كان يوجه لكاظم من قبل العديد من العاملين في الشركة ، فكان لها ما أرادت ، لإاخذ كاظم يقص عليها التحاقه بالعسكرية مجبرا وليس مخيرا كارها الحرب ومن أشعلها حاله حال أغلبية العراقيين في ذلك الوقت ليس جبنا من العراقيين ولكن لعدم قناعتهم بالحرب وبعدجالتها وكرههم لنظام البعث ورئيسه ، الذي كان يحكم بالخوف والبطش واعدام من لايلتحق او يهرب من جبهات القتال ، وقد كان يفرض سلطته عن طريق بعض الأغبياء والمغفلين امثال الملازم البعصي ((مقصود )) صاحب الماضي القذر في منطقته ، فقد تعلم الكتابة ليس حبا بالعلم والمعرفة ولكن ليتمكن من كتابة التقارير والايقاع بالناس وجرهم الى ساحات الاعدام والسجون ، وقد فضحه احد الجنود من منطقته وكيف كان يطالع الجريدة بالمقلوب وكيف مسح بها حذائه رغم وجود صورة صدام كالعادة في الصفحة الاولى من الجريدة ، فيتهم الشاهد الوحيد على فعلته بكونه كان يستهزيء بالسيد الرئيس القائد لأنه كان يضحك لفعلة الرفيق ـ فاراد اسكاته باتهامه وجره الى الأمن دون أي وازع من ضمير . بعد تعرض وحدتهم في ماوت للهزيمة وتخلي الضباط الكبار عنهم يواجهون مصيرهم تحت وابل النيران الايرانية وتعرضهم للموت جوعا وعطشا وبردا ، يقرر الجند وفي مقدمتهم كاظم بالاستسلام للايرانيين الذين استولوا على الجبل حفاظا على سلامتهم والتخلص من نظام الديكتاتور وقد ايده الملازم الشاب حازم الذي بادر الى نزع فانيلته البيضاء ورفعا لتكون علامة استسلام للجيش الايراني الذي ككان يحتفل بالنصر على مقربة منهم . وقد رضخ الرفيق ((مقصود)) للامر الواقع واصطف بالطابور بعد ان رمى نجماته التي كان يتفاخر بها أمام الجنود . يرحب بهم الجند الايرانيين ، يطعمونهم ، يسقونهم الماء ويعونهم الحلوى والاكل الجيد اللذيذ خلاف ماكانوا يتوقعون ويصور لهم من قساوة الايرانيين وانهم سينكلون بهم ويقتلونهم كما شاهدوا هذا المشهد في فلم يقطع ذراعي أسير عراقي ربطت بين سيارتين متعاكستي السير ، وقد ظهر لهم ان هذا فلم ايطالي مفبرك بيع اللا المخابرات العراقية كوسيلة دعائية مضادة للايرانيين وتخويف الجنود العراقيين من المصير الذي ينتظرهم لو تعرضوا للاسر .
انقاذ حياة
اتضح لهم زيف هذه الادعاءات خصوصا عندما تبرع الضابط الايراني اكبري بدمه لانقاذ حياة الضابط البعثي الحاقد ((مقصود)) الذي كان مصابا في فخذه وقد نزف دما كثيرا . يظهر لنا الروائي نموذج للفرد الانتهازي الجبان المتلون والموجود في الجيش العراقي والمجتمع العراقي كنتيجة طبيعية لنظام الخوف والقمع لسلطات الديكتاتور تمثل هذا الدور في شخصية الجندي ((جربوع)) وهو أسم على مسمى مراسل البعثي مقصود وخادمه والهتاف دوما بحياة الحزب والقائد صدام حسينحينما كان في مأمن في الجيش العراقي ، ولكنه يتحول الى شخصية معاكسة تماما للاولى حينما يكون تحت قبضة الايرانيين فيهتف بموت صدام وسقوطه دون ان يطلب منه احد ذلك ، في فعل منافق لم يلق القبول حتى من قبل الايرانيين وطلبوا منه السكوت، واخذ يتمنى الموت لسيده الضابط العثي مقصود بعد أن كان خادمه المطيع . ويظهر لنا الروائي نماذج من الضباط والجنود الشجعان أُباة يشعرون بالاعتزاز بالذات التي حاول النظام مسخها حال ارتداء الجندي العراق للباس الخاكي . يصحبنا الشولي في روايته عبر أحداث لانشك في واقعيتها، ويعطينا درسا في صيانة الذات والعفة وعدم الانزلاق في طريق الرذيلة والمغامرات العاطفية الغير مشروعة ، رغم أنه يدغدع مشاعرنا بعبارات التي تحمل الكثير من الشعرية غبر توصيفات لوداد ، علكتها، حمرة شفافها ، شعرها المنسرح ، عطرها ، قميصها وتنورتها ضحكتها الغنجة الدلوعة دعوتها بالتصريح او التلميح للمضي قدما نحو علاقة حميمية تطفيء نيران الجسد الشبق وضمأ الروح للجمال . يختتم روايته ب ((سوف انسى أن هناك أمرأة كان أسمها وداد ، أشعر يا أم علاوي بأنني انتصرت على وداد )) ص111.
انها حالة انتصار الارادة الواعية على العاطفة الجارفة في مثل هذه المواقف والعلاقات بين الجنسين .
يحاول ان يمضي وقته وينسى بانشغاله بالانترنيت شاغل الدنيا في عصر العولمة وثورة الاتصالات ومختزل المسافات والخطوات نحو اقامة علا قات غرمية بين طرفين ربما كل واحد في قارة (( يبدا علاقة مع شابة ساحرة الجمال مغتربة في اوربا تطلب منه علاقة صداقة عبر الانترنيت وتفتح له كامرة تظهر له مفاتن الجسد …
يسأل كاظم نفسه هل سيتمكن ان يحصن نفسه من اغراءات هذه الحسناء كما حصــــــــنها من اغراءات وداد ؟؟ يسأل ويترك الأجابة مفتوحة للمستقبل.

















