ليلة كورونَوية

‭ ‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬كاظم‭ ‬الحميري

بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬نهار‭ ‬حصار‭ ‬كورونا‭ ‬يوم‭ ‬18‭ ‬آذار‭ ‬2020‭ ‬جلست‭ ‬أمام‭ ‬التلفاز‭ ‬وتجولت‭ ‬بين‭ ‬المحطات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬العراقية‭ ‬والعربية‭ ‬طلبا‭ ‬للراحة‭ ‬من‭ ‬الهم‭ ‬والغم‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بها‭ ‬كرات‭ ‬الكورونا‭ ‬غير‭ ‬المرئية‭ ‬وضغط‭ ‬الدم‭ ‬الذي‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭.‬

ذهبت‭ ‬كالعادة‭ ‬الى‭ ‬مشاهدة‭ ‬حياة‭ ‬البراري‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬أستمتع‭ ‬بمتابعاتها‭ ‬حيث‭ ‬الفضاءات‭ ‬الجميلة‭ ‬اللامتناهية‭ ‬من‭ ‬مروج‭ ‬وغابات‭ ‬وصحاري‭ ‬يدب‭ ‬بها‭ ‬الجميل‭ ‬والمخيف‭ ‬والمقزز‭ ‬من‭ ‬مخلوقات‭ ‬الله‭.‬

رأيت‭ ‬قطيعا‭ ‬من‭ ‬الغزلان‭ ‬الجميلة‭ ‬يرعي‭ ‬في‭ ‬مرج‭ ‬أخضر‭ ‬مترامي‭ ‬الأطراف‭ ‬وفي‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬القطيع‭ ‬كان‭ ‬كبشان‭ ‬منه‭ ‬بقرون‭ ‬كبيرة‭ ‬تشعبت‭ ‬كأخصان‭ ‬الشجر‭ ‬يتقاتلان‭ ‬وقد‭ ‬تشابكت‭ ‬وتداخلت‭ ‬قرونهما‭ ‬وغاب‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬عن‭ ‬بالهما‭ ‬ما‭ ‬يتواجد‭ ‬حولهما‭ ‬من‭ ‬عشب‭ ‬جيد‭ ‬في‭ ‬المرج‭ ‬وغزالات‭ ‬جميلات‭ ‬وحيوانات‭ ‬ضارية‭ ‬تتربص‭ ‬الفرصة‭ ‬للتغذي‭ ‬بهما‭ ‬وبأفراد‭ ‬القطيع‭.‬

لاحت‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬لبوءة‭ ‬فطنة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬قوت‭ ‬لأشبالها‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تهاجم‭ ‬أي‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬القطيع‭ ‬المنتشر‭ ‬فوق‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تهاجم‭ ‬هذان‭ ‬الكبشان‭ ‬الغارقان‭ ‬في‭ ‬القتال،

تقدمت‭ ‬اللبوءة‭ ‬تمشي‭ ‬الهوينا‭ ‬بحذر‭ ‬شديد‭   ‬واقتربت‭ ‬من‭ ‬الكبشين‭ ‬المتقاتلين‭   ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحس‭ ‬بها‭ ‬أي‭ ‬منهما‭ ‬ثم‭ ‬إنقضت‭ ‬عليهما‭ ‬وأمسكت‭ ‬بأنيابها‭ ‬الجبارة‭  ‬بلمح‭ ‬البصر‭  ‬برقبة‭  ‬أحدهما‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬عند‭ ‬الحنجرة‭ ‬والبلعوم‭  ‬وسحبتهه‭ ‬لتأكله‭ ‬على‭ ‬رواء‭ ‬مع‭ ‬أشبالها‭ .‬

انتقلت‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المحطة‭ ‬الى‭ ‬محطة‭ ‬عراقية‭ ‬وكان‭ ‬النقاش‭ ‬حامي‭ ‬الوطيس‭ ‬بشأن‭ ‬تكليف‭ ‬السيد‭ ‬عدنان‭ ‬الزرفي‭ ‬برئاسة‭ ‬الوزارة‭ ‬وقد‭ ‬إشتبك‭ ‬ضيوف‭ ‬البرنامج‭ ‬بجدال‭ ‬لا‭ ‬تسمع‭ ‬منه‭ ‬سوى‭ ‬‭:‬‭ ‬لن‭ ‬نسمح‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬هذا‭ ‬التكليف‭ ‬ومجلس‭ ‬القضاء‭ ‬الأعلى‭ ‬والمحكمة‭ ‬الاتحادية‭ ‬وفخامة‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نتف‭ ‬الشجار‭.‬

تساءلت‭ ‬مع‭ ‬نفسي‭ ‬لماذا‭ ‬تقاتل‭ ‬كبشا‭ ‬الغزال‭  ‬بهذا‭ ‬الإصرار‭ ‬الذي‭ ‬أنساهما‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬البرية‭ ‬أسود‭ ‬وضباع‭ ‬وكلاب‭ ‬مفترسة‭ ‬ستفتك‭ ‬بهما‭ ‬وبالقطيع‭ ‬وأجبت‭ ‬إنه‭ ‬بالتأكيد‭ ‬صراع‭ ‬غريزي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رئاسة‭ ‬القطيع‭ ‬وما‭ ‬تدر‭ ‬الرئاسة‭ ‬من‭ ‬منافع‭ ‬جانبية‭ ‬ومباشرة‭ ‬أحدهما‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬علمنا‭ ‬الإستئثار‭ ‬بالحسناوات‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬فصيلتهما‭.‬

أما‭ ‬بشأن‭  ‬الجدل‭ ‬الحامي‭ ‬الذي‭ ‬رأيته‭ ‬فإنه‭ ‬يعكس‭ ‬بالتأكيد‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إستمرار‭  ‬بعض‭ ‬المستفيدين‭ ‬سابقا‭ ‬وحاليا‭ ‬من‭ ‬أوضاع‭ ‬اللا‭ ‬دولة‭ ‬للتسيُّد‭ ‬‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬عند‭ ‬فحول‭ ‬الغزال‭ ‬والاستفادة‭ ‬الجانبية‭ ‬والمباشرة‭ ‬من‭ ‬هكذا‭ ‬موقع‭  ‬،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭  ‬في‭ ‬غمرة‭  ‬الصراع‭ ‬نست‭ ‬أن‭ ‬الكورونا‭ ‬ومكافحتها‭ ‬أوشكت‭ ‬أن‭ ‬تودي‭ ‬بحياة‭ ‬العوائل‭ ‬الفقيرة‭ ‬جوعا‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬إمكانية‭ ‬الكسبة‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قوتهم‭ ‬اليومي‭ ‬وتناست‭ ‬أن‭ ‬هبوط‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬الى‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬يهدد‭ ‬الموظفين‭ ‬والكسبة‭ ‬والمساكين‭  ‬بأيام‭ ‬سود‭ ‬عجاف‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬القادمة‭ ‬أيضا‭ ‬ونست‭ ‬أن‭ ‬مياه‭ ‬الفيضانات‭ ‬دخلت‭ ‬على‭ ‬مساكين‭ ‬العراقيين‭ ‬بيوتهم‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬كم‭ ‬دخلت‭ ‬خيام‭ ‬اللاجئين‭ ‬في‭ ‬انحاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬غرب‭ ‬وشمال‭ ‬العراق‭ ‬كما‭ ‬تناست‭ ‬‭ ‬ان‭ ‬الجراد‭ ‬غزى‭ ‬محافظات‭ ‬الوسط‭ ‬والجنوب‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬تخوم‭ ‬النجف‭ .‬

وأخيرا‭ ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬تعطف‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬2005‭ ‬وحتى‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬المسكين‭ ‬وأن‭ ‬‭”‬تفك‭ ‬ياخة‭”‬‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬العراقي‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬تكفر‭ ‬عن‭ ‬ذنوبها‭ ‬وتترك‭ ‬نهج‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬ولايخلي‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬تنزل‭.‬