
حسن النواب
هذه ليلتي الأخيرة في الأردن؛ حملتُ قدميَّ إلى مقهى السنترال؛ كان الوقت غروباً حين دخلتها؛ وجدتُ صديقي علي السوداني بانتظاري؛ سرعان ما تركنا المقهى لنجلس في حانةٍ كئيبةٍ وسط البلد؛ لبثنا نحتسي الجِعة بصمتٍ والدمع يلمعُ في عيوننا؛ في حين كانت أغنية لهاني شاكر تنوحُ في فضاء الحانة ممَّا ضاعفتْ من أحزاني، قالَ السوداني وهو ينتفُ بلحيتهِ الكثَّة من الغم:
- لنشرب العرق؛ البيرة عاجزة على كسح أحزان هذه الليلة.
خلال فترة وجيزة قضينا على الزجاجة، اقترحتُ عليهِ:
- ما رأيك بزيارة نخلة الله؟
- فكرة رائعة.
تحت سماءٍ قاتمةٍ تنثُّ بسكينةٍ وقفنا لدقائق، شعرتُ أنَّ خفافيش الهموم تفرُّ تباعاً من حجرات قلبي مع دبيب حبَّاتِ المطر الناعمة على وجهي، حتى اكترينا مركبة أجرة إلى شقَّة نخلة الله، طرقنا الباب ولأكثر من دقيقة انتظرنا ليفتحها ولده محمد أخيراً؛ قال مبتسماً:
- كاد قلبي يتوقَّف.
سألهُ علي:
- لماذا؟
- لم نتعوَّد على مَنْ يطرق الباب ليلاً.
- ربَّما قُلتَ في سرَّك؛ إنَّ المخابرات العراقية وصلتنا.
- والله صحيح؛ تفضَّلا والدي لم ينم بعد.
كانَ نخلة الله يرتدي سروال منامة عتيقاً وكنزة صوف بلون التراب وأمامه على طاولةٍ متواضعةٍ مجموعة كتب وكأس ممتلئة لنصفها بابنة الكروم؛ رحَّبَ بنا بحماسٍ وانتشرتْ على ملامحهِ الغبطة؛ وحين عرف أنَّها ليلتي الأخيرة في الأردن؛ تجهَّم وجههُ وأنَّبني قائلاً:
- كان عليك البقاء مع عائلتك؛ لتجهيز حقائب السفر.
- لا حقائب لدينا سوى الأسمال التي علينا.
تبسَّم بحزن؛ وبصوته الخفيض نبسَ:
- ستتغيَّر حياتكم في أستراليا.
عادَ ليسألني:
- متى موعد الطائرة؟
- بعد أربع ساعات.
نظر نحوي بارتياب وقال بنبرةٍ حانقةٍ:
- لا وقت أمامك؛ اشرب كأسك وأرجع إلى عائلتك.
بدأت السماء تمطر بغزارة؛ بينما التقط ولده محمد أكثر من صورة لجلستنا؛ رنَّ هاتفي النقال؛ كانت زوجتي التي صرختْ مرتبكةً:
- أين أنت؟ لقد تأخَّرنا.
- اذهبوا إلى المطار؛ وسألتحق بكم بعد قليل.
أجهزتُ على ربع زجاجة من العرق خلال دقائق؛ بينما كان الجميع يحثُّني على المغادرة، قلت لهم بهدوء:
- لنْ أسافر؛ سأبقى معكم.
- هل جُننت؟
صرخ السوداني بوجهي؛ في حين رفعني محمد من المقعد عنوةً؛ وأنا اسمع صوت نخلة الله يزجرني:
- نحنُ لا نريدك يا أخي؛ كيف تترك العائلة تسافر وحدها؛ هل ثملتْ؟
لا أدري كيف وجدتُ نفسي في سيَّارة أجرة منطلقة نحو المطار؛ وسماء ترعدُ وتمطرُ بشراسةٍ؛ حين دخلت إلى صالة المغادرين، هرعَ ولدي وابنتي نحوي بلهفة وهما يبكيان؛ احتضنتهما مرتعشاً؛ وبلا مشيئتي انهمر دمعٌ مهيضٌ على وجهي أثارَ انتباه المسافرين.
حسن النوّاب
hassanalnawwab@yahoo.com



















