لم‭ ‬يبق‭ ‬للبلد‭ ‬وقت‭ ‬مهدور‭ ‬لمغامر‭ ‬جديد‭ ‬

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

لا‭ ‬يوجد‭ ‬أثمن‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬جملة‭ ‬تمر‭ ‬علينا‭ ‬مراراً‭ ‬ونضيّعها‭ ‬مثلما‭ ‬نضيع‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬انه‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬انسان‭ ‬منّا‭ ‬ولا‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭. ‬الناس‭ ‬تهدر‭ ‬الوقت‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬جعلناه‭ ‬سلعة‭ ‬رخيصة‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬انه‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ثمن‭ ‬غالباً‭.‬

قديما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬الحكماء‭: (‬أَعجَبُ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬أَنْ‭ ‬يَنْقُصَ‭ ‬مَالُهُ‭ ‬فيقلَقُ،‭ ‬ويَنْقُصُ‭ ‬عمرهُ‭ ‬فَلَا‭ ‬يقلَق‭). ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬نتصارع‭ ‬ظنا‭ ‬منا‭ ‬ان‭ ‬الدولارات‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تفنى‭ ‬ولا‭ ‬تستهلك‭ ‬إذا‭ ‬تكدست‭ ‬في‭ ‬جيوبنا‭.‬

غير‭ ‬انّ‭ ‬الوقت‭ ‬يغدو‭ ‬مضاعف‭ ‬القيمة‭ ‬مئات‭ ‬أو‭ ‬آلاف‭ ‬المرات‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬وقتا‭ ‬لحياة‭ ‬شعب‭ ‬كامل،‭ ‬فالإنسان‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬أن‭ ‬يتسكع‭ ‬هادرا‭ ‬وقته،‭ ‬لا‭ ‬يعمل،‭ ‬ولا‭ ‬ينتج‭ ‬ولا‭ ‬يتعلم‭ ‬ولا‭ ‬يربي‭ ‬ولا‭ ‬يفيد‭ ‬الاخرين‭ ‬ولا‭ ‬يمنع‭ ‬الأذى‭ ‬عن‭ ‬الناس‭ ‬هو‭ ‬شخص‭ ‬له‭ ‬رقم‭ ‬واحد‭ ‬شديد‭ ‬الضآلة‭ ‬بين‭ ‬ارقام‭ ‬ستمر‭ ‬وتنسى‭.‬

إنمّا‭ ‬وقت‭ ‬الشعب‭ ‬مرهون‭ ‬بالذين‭ ‬توكّلوا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السلطات‭ ‬التنفيذية‭ ‬التي‭ ‬يمتلكونها‭ ‬في‭ ‬اغنائه‭ ‬وحفظه‭ ‬من‭ ‬الاستنزاف‭ ‬أو‭ ‬منع‭ ‬جعله‭ ‬وقتاً‭ ‬عبثياً‭ ‬مهدوراً‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬طاقة‭ ‬للملايين‭ ‬في‭ ‬تجنبها،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬مفاصل‭ ‬استهلاكية‭ ‬مفروضة‭ ‬كالركض‭ ‬اليومي‭ ‬وراء‭ ‬رغيف‭ ‬الخبز،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وظيفة‭ ‬أو‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬ضمان‭ ‬اجتماعي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬كرامة‭ ‬الانسان،‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬الركض‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬المسعى‭ ‬الحياتي‭ ‬المثابر‭ ‬كونه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ركيزة‭ ‬على‭ ‬خطة‭ ‬بلد‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬القدرات‭ ‬البشرية،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬سائب‭ ‬ومصيره‭ ‬مرهون‭ ‬بالصدف‭ ‬السعيدة‭ ‬او‭ ‬الكريهة‭.‬

حين‭ ‬يذهب‭ ‬زعيم‭ ‬بشعب‭ ‬ودولة‭ ‬كاملة‭ ‬الى‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬جدوى‭ ‬منها‭ ‬ونتائجها‭ ‬واضحة‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تبدأ‭ ‬وانّ‭ ‬بيده‭ ‬عشرات‭ ‬البدائل‭ ‬المرحلية‭ ‬او‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لها،‭ ‬فإنه‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬استهتر‭ ‬بكل‭ ‬لحظة‭ ‬تنفس‭ ‬يعيشها‭ ‬الانسان‭ ‬المساق‭ ‬الى‭ ‬الموت‭ ‬رُغماً‭ ‬عن‭ ‬انفه‭.‬

وحين‭ ‬تصر‭ ‬مجموعة‭ ‬سياسية‭ ‬أن‭ ‬تغامر‭ ‬بمصير‭ ‬الشعب‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وعلى‭ ‬نفس‭ ‬خطى‭ ‬ذلك‭ ‬الزعيم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭ ‬ضيقة‭ ‬وربمّا‭ ‬شخصية‭ ‬أكثر‭ ‬ضيقاً،‭ ‬فإنّ‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬ضاعت‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬ثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬حصار‭ ‬سابق‭ ‬وثماني‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬سبقته‭ ‬وسنوات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬ونكسات‭ ‬لاحقة،‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬وجودهم‭ ‬ومستقبل‭ ‬اطفالهم‭ ‬شيء‭ ‬يذكر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمنحوه‭ ‬لمغامر‭ ‬جديد‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬من‭ ‬بلدنا‭ ‬هدر‭ ‬للوقت،‭ ‬معاملات‭ ‬يومية،‭ ‬وعود‭ ‬شخصية،‭ ‬استحقاقات‭ ‬دستورية،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬بال‭ ‬المرء،‭ ‬انما‭ ‬يخضع‭ ‬لسلوك‭  ‬بطعم‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬التفنن‭ ‬في‭ ‬تضييع‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬ضياع‭ ‬للإنسان،‭ ‬فكيف‭ ‬بمَن‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكرر‭ ‬المآسي‭ ‬ويضيع‭ ‬البلد‭ ‬مجدداً‭. ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية