قصيدة الجواهري في الملك حسين بن طلال

صدق الشاعر ووفائه للعائلة الهاشمية وأسرار تهيئة العودة إلى العراق

قصيدة الجواهري في الملك حسين بن طلال

ضياء خضير

تثير قصيدة الجواهري التي ألقاها بمناسبة عيد ميلاد الملك الأردني بعمان في 2/12/1992  مجموعة من التساؤلات والانفعالات التي يستحضرها السامع والمشاهد حول موقف الشاعر، وهو في حضرة الملك الحسين بن طلال بمناسبة عيد ميلاده، والسبب الذي جعل شاعر العرب الكبير يفعل ذلك وهو في هذا العمر المتأخر لدى مروره بعمان قادما من القاهرة، فيما كان يقيم إقامة شبه دائمة بدمشق حافظ الأسد التي لم تكن آنئذ على وفاق مع العاصمة الأردنية وملكها الهاشمي الحسين بن طلال.

وكان الملك رحمه الله قد عاد لتوه من الخارج بعد رحلة علاج في مرضه الأخير. وتضمنت القصيدة قراءة نفسية وعاطفية وتاريخية لكل ما يمكن أن يحرك لواعج الملك المريض ويهز أعطافه ومروءته إنسانا وملكًا يمثل في نسبه آخر ما تبقى من تاريخ عربي عريق تتصل جذوره بالعائلة الهاشمية والرسول الكريم.

ومن ير الفديو الذي يصور إلقاء الجواهري لقصيدته تلك، وير إلى موقف الشاعر بين يدي الملك وانفعاله ونظراته وخطابه الموجّه مباشرة لشخص الملك، وهو يلقي أبيات قصيدته الأربعة والثلاثين اعتمادا على الذاكرة شأنه في الإلقاء دائما، يستطع أن يحسّ ويقدر صدق لهجة الشاعر ووفائه لتاريخه مع العائلة الهاشمية، وما تختزنه ذاكرته من مواقف وكلمات قالها في الملوك الهاشميين منذ أيام الملك فيصل الأول، وَعَبد الإله بن علي، ثم قصيدة الجواهري الأخرى في عيد تتويج الملك فيصل الثاني عام 1953? وهي السنة نفسها التي تقلد فيها الملك الحسين رحمه الله عرش المملكة الأردنية خلفا لأبيه الملك طلال بن  عبد الله بن الشريف حسين.

 [وقد حذف الشاعر قصيدته في تتويج الملك فيصل الثاني من ديوانه بعد أن واجه سخرية وجهت له بشأنها من شعراء عراقيين آخرين]

الملك يتابع

 كان الملك حسين بادي التأثر وهو يتابع أبيات القصيدة وهيئة الشاعر العراقي الشيخ الذي نيّف على التسعين وهو يحاول أن يجسد معاني قصيدته مزيدا من التجسيد بإعادة أبياتها ورنين قافيتها بألفها المطلقة، والتوكيد على كل كلمة فيها، وبإشاراته وصوته وصورته المعبرة عن رغبة عميقة في الإفضاء عن عواطف قديمة معتّقة وجدت الفرصة المناسبة لتتفجر وتنطلق. وقد تضمنت القصيدة، كما نعرف، أبياتًا من نفس الوزن والقافية سبق للشاعر أن قالها في عبد الإله بن علي الوصي على عرش العراق. وكأن التاريخ يعيد نفسه حين وجد الشاعر نفسه وهو يقف الآن أمام واحد من أبناء العائلة الهاشمية إياها، العائلة التي ارتبط بها الشاعر منذ بداية حياته الوظيفية والشعرية في العشرينات من القرن الماضي، هذا القرن الذي غطى الجواهري بحياته وشعره كل سنواته المائة تقريبا (1899 – 1997)? ومدح أغلب من  عرفهم واتصل بهم فيه من ملوك وأمراء ورؤساء.

وقد كانت الأبيات التي ذكر الشاعر فيها مرض الملك ودعاءه المخلص له، قد جعلت الدمعة تترقرق في عيني الملك، فيما كانت القاعة المحتشدة بوجوه الدولة الأردنية ومثقفي البلد تلتهب بالتصفيق والإعجاب والتأثر البادي على أغلب الوجوه الحاضرة.

كان الشاعر الأردني الكبير حيدر محمود من بين هؤلاء الحضور، وقد جلس صامتا دون حركة، ينظر إلى الشاعر العراقي نظرات خاصة ذات معنى، كما لو كان يبدو فيها صورة أخرى لأبي فراس الحمداني، وهو يرى المتنبي يستأثر بمدح ابن عمه سيف الدولة واهتمامه.

ومن أجل معرفة الظروف المحيطة بالشاعر والسبب الذي هيأ له هذه المناسبة المنتظرة في مدح الملك الهاشمي، لا بد أن نشير إلى أن الجواهري كان قبل ذلك في القاهرة يفكر في العودة للعراق عن طريق عمان التي كانت، كما نعرف، الممرَّ البري الوحيد للعراقيين إلى بغداد أيام الحصار وتوقف الطيران.

 وحين قرر الجواهري التوجه الى بغداد، كان لابد ان يحصل على فيزا الى الأردن، وهنا تذكر قصيدته التي كتبها عن ثورة 14 تموز وفيها بيت يقول فيه:

وغدا نحرّرُ من حسين أردنا”!

وظن أن المسؤولين الأردنيين يتذكرون القصيدة، ويتذكرون ذلك البيت، فأراد معالجة الأمر فكتب سبعة أبيات في مديح الملك حسين، وبعث بها الى السفير الاردني مع طلب الفيزا.

وسارع السفير إلى إرسال الأبيات الى الأردن، فوجه خالد الكركي الذي كان مستشارا للمك حسين، ومديرا للديوان الملكي  دعوةً رسمية للجواهري مع قرار بمنحه وساما من الدرجة الأولى. وقد قبل الجواهري الدعوة وبدأ يضيف الى ماكتب من قبل أبياتا أخرى تشكلت منها قصيدة الجواهري الجديدة القديمة هذه. إذ عمد الجواهري الى إضافة أبيات قديمة كانت في مدح الوصي عبد الإله بن علي وهي الأبيات الأكثر أهمية في القصيدة. وقد كان الجواهري واضحا في القصيدة نفسها حين استماح الملك الحسين نفسه أن يعيد أمامه من جديد ذلك القول النبيل على قدمه:

حُجج مضت، وأعيده في هاشم

 قولا  نبيلا، يستميح  نبيلا

 وقد اتصل الجواهري بسفير العراق في القاهرة نبيل نجم التكريتي أيضا، الذي أبرق بدوره لبغداد بشأن عزم الشاعر على العودة إلى العراق.

 وعلى الرغم من ذلك، لست أظن أن أبا فرات قد حزم أمره وقرر العودة إلى بغداد ليموت فيها. كان قلقا مترددا، مع أنه اتخذ، كما أسلفت، الخطوة الأولى في اتصاله بالسفارة العراقية بالقاهرة وإعرابه للسفير العراقي عن هذه الرغبة المفاجئة التي سبقت إقدامه على المشاركة في مهرجان الجنادرية السعودي عام 1994  برفقة الشاعر عبد الوهاب البياتي وبترتيب من سعد البزاز، وما أعقبها من أخبار ملفقة عن إسقاط الجنسية العراقية عن الشاعرين الكبيرين.

وقد كتب صدام حسين على الكتاب الذي قدم له  من وزارة الخارجية بهذا المعنى: (أهلا وسهلا ومرحبا..)

ونحن نتذكر  أن الجواهري قد وصف صدام حسين مرة، حينما كان نائبا، بأنه (فارس شجاع) وظهر معه عام 1986 وهو يمسك بيده في صدر إحدى الصحف العراقية.

 أما ما قيل عن هجاء الجواهري لصدام في قصيدة اشتهرت ب ( سلْ مضجعيك..)، فهو مجرد تلفيق لا حقيقية وراءه. فقد كان الشاعر العراقي حسين الرفاعي، الذي عمل مديراً للتربية في الرصافة بالعراق، وتوفي قبل سنوات، هو الذي نظم هذه القصيدة ونسبها إلى الجواهري. وقد أوضح ذلك لدى مشاركته في الدورة الأولى لمهرجان الجواهري الشعري الذي أقيم في بغداد بعد الاحتلال، وألقى الرفاعي فيه نصاً شعرياً بعنوان «زياد ابن أبيه»? مشيراً بحضور أبناء الجواهري، إلى أنه من نظمَ تلك القصيدة، التي عرفت على نطاق واسع بأنها للجواهري، وقال: «أنا مديون للجواهري بحياتي… فلو علم النظام السابق أنني كاتب تلك القصيدة لحكموا بإعدامي!».

وفد عراقي

والمهم أن الاستعدادات بدأت في بغداد لإرسال وفد عراقي لمرافقة الجواهري في عودته المرتقبة للعراق.

  وقد سمعت أطرافا من قصة عودة الجواهري هذه إلى بغداد من الشاعر عبد الأمير معلة رحمه الله، ومن المرحوم فرات الجواهري، ثم من الشاعر حميد سعيد الذي قال لي إنّ وزير الثقافة والإعلام حامد يوسف حمادي اتصل به في ظهيرة قائظة ، وحدثه عن نية الجواهري تلك، قائلا إن فرات الجواهري في مكتبه، وأنه سيتوجه الى عمان وهو يتمنى أن ترافقه.

وقد أضيف إلى الوفد باقتراح من حميد سعيد عبد الحسين الرفيعي وَعَبَد الأمير معلة رئيس اتحاد الأدباء آنذاك. وحين وصل الوفد إلى عمان كان الجواهري قد قرأ قصيدته في الملك الحسين ولم يقابل غير ابنه فرات والشاعر حميد سعيد قبل أن يعود الوفد لبغداد فيما بقي فرات مع أبيه، بعد أن جاء وفد سوري كبير من دمشق من أجل إقناع الجواهري للعودة إلى دمشق، وترك فكرة العودة إلى بغداد، أو مواصلة المكوث في ضيافة الملك الحسين في عمّان.

  ورغم العلاقة القوية التي ربطت حميد سعيد بالجوهري، فإنه كان يعتقد أن الجواهري “حين يمدح لا يصدر في مديحه عن موقف”، وقد قال يوما لشاب جزائري عاتبه على مدح الحسن الثاني :

–  يا ولدي إن الذي يقول لك السلام عليكم لا بد أن تقول له عليكم السلام.

 وفي ندوة أدبية عقدت قبل ما يقرب من ربع قرن ونشرت في مجلة “آفاق عربية” شارك فيها عدد من الشعراء والنقاد، ونوقشت فيها بعض قضايا الشعر، ومنها موضوع (المديح في الشعر) أو شعر المديح، ذكر حميد الذي كان مشاركا في الندوة المذكورة: إن المديح ليس موقفا، أي أن ما يقوله المادح في الممدوح، ليس بالضرورة هو موقفه منه، بل إن الصفات التي يصف بها المادح من مدحه، قد لا تتوفر فيه، إنْ لم تكن صفاته الحقيقية تختلف كل الاختلاف عن تلك التي تأتي في سياق المديح، وهي صفات مكررة وحاضرة في ذهن المادح حتى قبل أن يرى الممدوح أو يعرفه أو يسمع باسمه.

 وحميد سعيد يشير بذلك إلى واحدة من الحقائق التي ترافق قصيدة  المديح في تاريخ شعرنا العربي بشكل عام، ولدى بعض شعراء المديح المعاصرين، بشكل خاص. ومن النادر أن نجد شاعرًا عربيا لا يقع في التناقض والحرج وهو يضع نفسه إلى جانب الممدوح أحيانا، كما هو حال المتنبي مع بعض ممدوحيه مثل سيف الدولة الحمداني.

ولعل الشريف الرضي هو الوحيد الذي كان يتجرأ على أن يقول لممدوحه الخليفة الواثق:

 مهلا أميرَ المؤمنين فإننا

في دوحة العلياء لا نتفرقُ

إلا الخلافة ميزتك فإنني

 أنا عاطلٌ منها وأنت مطوق

في حين يبدو شاعر مثل عبد الصمد بن بابك أكثر تواضعا واعترافا من الشاعر الذي يلجئه واقع الحال إلى موقف التذلل أمام  الممدوح:

لا تنكروا عريي على بابكم

فالبدر  عريان  لمن  ينظر

 وليس لي عيبٌ  سوى أنني

 أدهى من الشعر، ولا أشعر

والجواهري الذي يقول للملك في نهاية قصيدته إنه “يجازي بالجميل جميلا” لا يأنف من أن يقول في بيت سابق أنه “مفضول” وأن الملك هو “الفاضل” بعد أن أكرمه وقدم له وساما، دون أن يذكر أنه سعى بنفسه إلى مدح الملك ونيل التكريم منه، وأنه شفى بقربه من الملك غليلا، ولاعجا قديما

{ دكتور

مشاركة