

عن شواطيء الذاكرة ما عسانا نقول ؟ – طارق الجبوري
ابتداءً لابد من القول اننا هنا وفي مقالنا المتواضع هذا لم يخطر ببالنا ان يكون عرضا لكتاب الاعلامي القدير الزميل عكاب سالم الطاهر الموسوم ” شواطئ الذاكرة ” بالمعنى الدقيق والحرفي المتعارف عليه في مجال عرض الكتب . ربما يصح ان نسميه قراءة او وقفة او رحلة مع ذاكرة عاصرصاحبها الكثير من الاحداث وتعرض لمواقف وتبنى وامن بافكار تناول بعضها الاستاذ ابو شاهين بشيء من التفصيل وعزف عن تناول بعضها الآخر واقتطعها في حين استعرض قسماً منها بايجاز فيه حكمة وتدبير .. وجميع هذه التوصيفات هي قريبة من العرض لابرز ما فيه .
كتاب الطاهر باقسامه الثلاثة وصفحاته التي بلغت الـ (180 يبدو لي مكملا لما سبق ان تناوله الكاتب في مؤلفات اخرى استعرض فيها جانباً من ذكرياته من دون ان يبدي رايأ فيها لكي يترك كما ذكر ( للقارئ الكريم تكوين قناعاته عما كتبت دونما ايحاء او تحريض) .
وفي قراءتنا لكتاب ” شواطيء الذاكرة ” ومطالعتنا المتأنية له ، نجد ان الكاتب ومن دون قصد منه اخذنا معه الى اماكن واحداث متشابكة ومعقدة انعكست سلبا على واقع المجتمع العراقي بشكل عام والسياسي بشكل خاص .. خاصة ما يتعلق بطبيعة العلاقات بين التيارات والقوى الوطنية والقومية التي غلب عليها الشك وعدم الثقة بالاخر !
في القسم الاول من شواطيء ذاكرة ابو شاهين نلاحظ انه مزج ببراعة بين الخاص والعام ليرسم لنا لوحة وطن سرقت فيه الاحلام وتبخرت الامال وتعرض لحصار ومن ثم احتلال كلفنا الكثير من التضحيات كشعب .ففي هذا القسم من الكتاب يتناول بالتفصيل محاولة البعض من قصيري النظر اتهامه بالطائفية عندما كان مديرا عاما للدار الوطنية وموقف المرحوم طارق عزيز الذي انقذه من هذه المحنة ثم ينتقل الى ايام دراسته في مدرسة الكرمة الابتدائية في ريف سوق الشيوخ عام 1953 وتسميته معاونا لامين المكتبة التي ساعدته على قراءة كتب متعددة ما يجعلنا نستذكر واقع المدارس الجيد في تلك الحقبة ونتحسر عليها مقارنة بما هي عليه الان لينتقل بعدها الى طبيعة العلاقات بين العـــراق وايران في عام 1969 وظروف توقيع اتفاقية الجزائر .. وفي عنوان ( عامر عبدالله وجريدة الثورة .. ) يستعرض الكاتب المباحثات التي مهدت لانبثاق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية و ما انتهجه العراق في عهد الرئيس احمد حسن البكر من ( سلسلة الخطوات السياسية والاقتصادية داخليا وخارجيا تمهيدا لصدور قرار تأميم النفط ) في حزيران 1972 وعن الذي قاله الدكتور جواد هاشم في مذكراته عن مقال كتبه الصحفي الطاهر بهذه المناسبة !
بعد ذلك يقودنا الطاهر الى النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي ومطلع الستينات منه وذكرياته عن ما اسماه جريدة ( البلاد ) .. بين هورماني والبصون ؟ وغازي عياش يقول سرقوا ولدي ؟! وفي عنوان الملك حسين والزعيم قاسم وفرحتهما بالانقلاب السوري على اول وحدة عربية في تاريخ الوطن العربي الحديث .. وقائع كثيرة يتناولها الطاهر في هذا القسم سنمر بها سريعا مثل تحوله الى العمل بمطبعة جريدة الثورة التي لا اخفي انني اختلف مع الكاتب في عرضه لاسبابها ، وسعدقاسم حمودي رحمه الله والبروتوكول السوفيتي ووصفي التل لايجلس على التل وموقف جريدة (العهد الجديد ) المؤيدة لمواقف الزعيم عبد الكريم قاسم رحمه الله .. لينقلنا بعدها الى جريدة ( صوت الجماهير ) التي منحت الامتياز في ايار من عام 1963 وجريدة (الاهالي ) الناطقة باسم الحزب الوطني الديمقراطي التي عاودت الصدور في الخامس عشر من تموز من عام 1958 ليستعرض الصحف التي صدرت في المحافظات ( واسمها مشتق من اسم الجريدة المركزية في بغداد ففي كربلاء صدرت جريدة ( شعلة الاهالي ) وفي الموصل صدرت جريدة ( صدى الاهالي ) وفي البصرة صدرت جريدة ( نداء الاهالي ).. مواضيع كثيرة ومتنوعة تضمنها القسم الاول من كتاب شواطيء الذاكرة منها ما يتعلق بلقاء وزير الري مكرم الطالباني الذي تبوأ منصبه كشيوعي بعد قيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية مع الرئيس التركي وجهل هذا الرئيس بانتماء وقومية الوزير العراقي ( التقى المسؤولان في انقرة ودار نقاش بينهما وخلاله قال الرئيس التركي: نحذركم من الاكراد والشيوعيين ، فورا رد عليه الوزير العراقي : سيادة الرئيس انني كردي وشيوعي ووزير في الحكومة العراقية ..) . وتحت عنوان صلاح عمر العلي و.. الظواهر المدانة يقول الكاتب في معرض تناوله واقع الاعلام ( اما التوجيه ورسم السياسات الاعلامية ومراقبة تنفيذها فيتولاها مكتب الثقافة والاعلام في الحزب الحاكم وكان صدام حسين نائب الرئيس العراقي بداية قد ادرك اهمية مكتب الثقافة والاعلام لذلك تولى مسؤليته منذ 17/تموز / 1968 ).. وليسمح لي الاستاذ عكاب بهذا التوضيح خدمة للحقيقة وهو انه وفي هذا التاريخ كان هنالك ( مكتب الثقافة القومي ) ومسؤوله المرحوم عبد الخالق السامرائي و( مكتب النشر والاعلام ) ومســـؤوله نائب الرئيس العراقي في تلك الفترة صدام حسين وتم دمج المكتبين بعد المؤتمر القطري الثامن في 1974 .. ولم تنس ذاكرة ابو شاهين تناول ما احتفظت به من معلومات عن شخصيات صحفية وسياسية رحم الله من توفي منهم واطال الله بعمر الباقين منهم عزيز محمد السكرتير العام السابق للحنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي و حربي محمد وصاحب السماوي وعزيز سباهي وهمام عبد الغني المراني وبيتر يوسف وهاني وهيب وعبد الجبار وهبي ابو سعيد والشاعر البصري كاظم الحجاج ويونس الطائي وابو كاطع وعصام الملا حويش وعبد الغني الدلي ومصطفى طيبة الصحفي اليساري المصري الذي عمل في جريدة الثورة بعد ان احتضنه العراق مع غيره من الصحفيين العرب .. ليأخذنا بعده الى ذكرياته في دمشق .. كما مر بذكرياته عن الانقلاب في السودان ضد حكم النميري ولجوء الصحفي السوداني عوض برير الى العراق .. وتطرق ابو شاهين الى شخصيات تربوية مرت في مسيرة حياته الزاخرة بالاحداث . ولم يفت الكاتب ان يستعرض اهم حصيلة سفراته الى خارج العراق وزيارته السويد وفنلندا وايطاليا واسبانيا وغيرها من دون ان ينسى المشخاب والبصرة ومدن عراقية اخرى .. ننتقل الى القسم الثاني برغم ان القسم الاول ما زال فيه الكثير حيث كرسه كما اسماه الاستاذ عكاب شهادات في الهواء الطلق تضمن العديد من الرسائل والمقالات بشان مؤلفاته ( على ضفاف الكتابة والحياة ) و( حوار الحضارات ) اما القسم الثالث فقد حمل عنوان (رحبوا بكتاب ” شواطيء الذاكرة ” ..
اخيرا اعتذر من الزميل الاستاذ عكاب سالم الطاهر ومن القراء واعترف هنا اني لم ات على كثير مما جادت به ذاكرة ابو شاهين على اهميتها فمع شواطيء الذاكرة ما عسانا ان نقول ؟!

















