علي السباعي .. التخيّل وصراع الواقع 1-2
العجائبية والفنتازيا في مومياء بهلول
وجدان عبدالعزيز
اصبحت قصة (زليخات يوسف) الاطار الاحتوائي لكل ما حملته قصص المجموعة الموسومة بنفس الاسم ، حيث بث الكاتب علي السباعي خلجاته الانسانية عبرها ، وعمد بقصدية الى اقتراح هذا الاسم .. وحينما التمعن بالسياقات السردية لكل قصص المجموعة وما حملته من معان ، لوجدناها تصب جميعا في رؤية الكاتب الرافضة والقلقة تجاه كل المواقف التي يفرزها الواقع المحيط ـ وما اكثرها ـ ناهيك عن ضغوطات هذا الواقع على عوالم التخيل التي يجترحها الكاتب السباعي ، ويتماهى معها ضمن مرتكزات عديدة .. ومنها المدونة التاريخية التي احاطت بكل كتاباته السردية تقريبا .. وتبدى لنا في هذه المجموعة استثمار الكاتب لقضية تداخل الفنون عبر مسارات جمالية البحث عن الحقيقة مما دعاه الى اعتماد القطع والالصاق وصناعة المشهدية ومع انفجار المعارف المعاصرة ، ومن ضمنها الفلسفة والمذاهب الأدبية والنقدية ، لم يعد هناك من حقيقة ثابتة: فقد صار كل شيء عرضة للتطور والتغير والشك والمغادرة ، وكان لتطور فلسفة الجمال أثر مهم في ذلك ، ولا سيما جماليات كروتشة الذي شن في الإستطيقا ، عام 1902 هجوماً على مفهوم الأنواع الأدبية: “لم تقم له بعده قائمة برغم المحاولات العديدة التي جرت للدفاع عنه ، أو لإعادة صوغه بشكل مختلف” ، ما دفع بعملية التداخل إلى مواصلة التطور فيما أطلق عليه جيرار جنيت جامع النص الذي يقصد به “مجموع الخصائص العامة التي ينتمي إليها كل نص على حدة”.
نظرية اوسع
وفيما اندمج بنظرية أوسع هي نظرية الخطاب وعلم النص ، أو ما أطلق عليه بالنصوصية بعد أن مهدت مباحث الشعرية السبيل لذلك ، كونها تقوم في الأساس على الانحراف وانتهاك قوانين الاعتياد. وكان من الطبيعي لهذا التطور ، واستعارة السمات من جنس لجنس ، أن يسمح بظهور مسميات جديدة بوصفها مصطلحات لنوع من الكتابة الحرة يستثمر خصائص أنواع أدبية متعددة كمصطلح الكتابة والنص ، الذي كان رولان بارت أشهر من نادى به وتبنى إشاعته والدفاع عنه. أما التداخل بين النصوص فهو النظرية المتقدمة التي أسست لمفاهيم قديمة تكثفت حتى غدت حديثة في آليات التأسيس والعرض ، هي نظرية التناص التي يجمع أصحابها على أن النص ليس منتجاً مخترعاً ولا بريئاً ، بل هو نتاج تداخل نصوص قديمة أو مزامنة له تتصارع وتلتمع في فضائه ، فالنص ـ عند جوليا كرستيفا ـ امتصاص وتحويل لنصوص أخرى ، بحيث يتحول النص الجديد إلى ما يشبه الفسيفساء سواء في تماسه التركيبي مع النصوص المقتبسة أم في تحويله الدلالي لها ، أو الإشارة والتلميح إليها ، أو التغييب لها في مناطق متفاوتة العمق ، لكن ترانس هوك يؤكد ناحيتين: أولاهما أن النصوص الأدبية هي رسائل تشير إلى نفسها ، وإن كانت تحوي إشارات متواصلة إلى أعمال أدبية وفنية أخرى ، ما يعزز دور المؤلف أو المبدع في إنتاج النص ، دحضاً للمبالغين في سلبية الدور الذي يقوم به المبدع في عملية الإبداع من كونه فضاء تمر عبره الكتابة ـ كما ادعى كلود ليفي شتراوس ، الذي لا يمتلك الشعور بأنه يكتب ، بل يمتلك شعوراً بأن الكتب تكتب من خلاله ، وتلك هي المعضلة التي كمنت وراء إشكالية موت المؤلف ، على ان هذه التحديدات لا تلغي دور المبدع الذي يدرك هدفه كما يعي جيدا وظيفة عمله وأبعاد نصه ـ ورسالته الإبداعية في كل ذلك ، والتناص حسب ليتش “ليس ذاتاً مستقلة أو مادة موحدة ، ولكنه سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى ، ونظامه اللغوي مع قواعده ومعجمه جميعها تسحب إليها كماً من الآثار والمقتطفات من التاريخ ، ولهذا فإن النص يشبه في معطاه معطى جيش خلاص ثقافي بمجموعات لا تحصى من الأفكار والمعتقدات والإرجاعات” ، التي يتوسل بها الكاتب لبناء رؤيته بنية جديدة ليست هي البنى القديمة لتداخلاته النصية التي كمنت في أعماق نصه الجديد. بل هي النصوص التي امتصها وحوَّلها إلى بنية جديدة ، ودلالات مباينة لما كانت عليه من قبل ، ووظيفة القارئ أن يستشرف دلالات كل تلك المداخلات لتشكيل الدلالة الجديدة للنص ، فالتناص حسب ريفاتير هو الآلية الخاصة للقراءة الأدبية إذ هي ، وحدها ، التي تنتج الدلالة في الوقت الذي لا تستطيع القراءة السطرية المشتركة بين جميع النصوص ، أدبية كانت أم غير أدبية ، أن تنتج غير المعنى ، وعليه يمكن الإقرار بأنه من خلال إعطاء المبدع حقه في تشكيل نصه وتداخلاته التي تشتبك ، عن قصد ودون قصد ، لا يمكن عزله عن واقعه الذي تشكلت فيه رؤاه وجملة مواجعه المعاصرة ، ذلك أن التناص ، وإن أبعد النص عن طرائق عمل النقد التقليدي الذي يعده نتاج التفاعل بين عوامل عدة ، إلا أن كرستيفا التي حولت حوارية باختين في العلاقات التناصية المتداخلة إلى التناص ، عام 1966 في مجلة “تيل كيل” ، أشارت في ما بعد إلى الأمر من خلال محورين: أفقي يربط المؤلف بقارئ النص ، وبينهما أفق قرائي_إبداعي ، وعمودي يربط النص بنصوص أخرى ، فمنجز كرستيفا النقدي حول التناص ، قد عمل على تبديل الكثير من المفاهيم التقليدية التي كانت سائدة ، إذ أدخلت أوليات التناص في لعبة الدلالة المتواصلة وفي حقل الإنتاجية النصية ، وهكذا تداخل كل شئ بكل شئ ، وسقطت الأعراف والتقاليد الصارمة التي كانت تضع حدوداً فاصلة وحاجزة بين مجمل الفنون.. تلك التقاليد التي كانت تلزم المبدع ونصه بالخضوع لها منذ أن تغيرت النظرة إلى مكونات النص وسايكولوجيته ، وكان لزاماً على القراءة ، والأمر كذلك ، أن تكسر أعرافها ـ هي الأخرى ـ لتواكب نصاً جديداً يُلزمها بمعرفة جديدة وعميقة ، وبقيم تتشكل مع كل نص من جديد لتجعل منه نصاً متفرداً ، ما دام لكل نص قيمه التشكيلية الخاصة به ، حتى صارت كل القراءات لها ما يبررها حين تستجيب لشرط معين ومحدد هو شرط القارئ العارف والجاد. من هنا احتاج النص الجديد لقراءة خاصة تفكك خيوطه المتشابكة ، من جهة ، وتجمع شتاته المتشظي ، من جهة أخرى. فـ(إن حركة النقد الأدبي تنشغل الآن بدراسة الغنى والتنوع الرؤيوي والأسلوبي داخل النصوص الأدبية المعاصرة والتي صارت حافلة بظواهر التداخل النوعي للأجناس الأدبية وتوظيف تقنيات بعضها البعض توظيفا واعياً وذلك حتى تكون قادرة علي التعبير عن أزمات واغترابات الإنسان المعاصر الذي يعيش عالماً سريع التحول والتغير ، كثير الإشكاليات والصراعات ، وأقل ما يمكن أن يقال في هذا الشأن ، هو صراع الفرد وكثير من المجتمعات في هذا العالم بين عولمة نمطية تلغي الحدود والهويات وتذيب الفوارق والملامح المائزة وبين هويات وقوميات تحاول جاهدة أن تستعصم بخصائصها وتحافظ علي ما تبقى من سماتها المميزة ، العرقية والفكرية والمجتمعية . إن منظري الأدب ، ” يكاد يجمعون علي أن الأنواع الأدبية ليست ثابتة الأركان ، ولا مطلقة الوجود ، بل كيانات متحركة متحولة أبداً ، بما يجعل من انقراض أنواع وتولد أخرى جديدة وتحولها أمراً طبيعياً ، بل يكاد يمثل قانون وجود هذه الأنواع ذاتها ، من حيث أن الفن بطبيعته ، تجاوز دائم بصفته إبداعاً وخلقاً متجدداً ) ، وهذا ما يحاول الكاتب السباعي الى فعله ، حتى خلق من مجموعة (زليخات يوسف) نظاما نسقيا في ما يشبه كتاب قصصي يتكئ بعضه على البعض الاخر في البحث عن الحقيقة الجمالية المتحصلة من رحلة قراءة هذه القصص التي تأبى بتمنع من ان تعطي نفسها في قراءة واحدة اعتمادا الى صرخة الحلاج : (اقتلوني ياثقاتي ان في موتي حياتي) .. فمسار الحياة الاولى والموتتة الاولى تأسيس لحياة ثانية ، يكتنفها الغيب الذي يحتاج الكثير لاكتشافه وبين ضجيج الحياة وصمت الموت ، ففي ديانات شعوب الرافدين نرى أن الإنسان حسب تلك الديانات هو الذي اختار قدره ومصيره فالآلهة خلقته سعيداً وخيّرته بين الخلود والموت من خلال منحه حرية الاختيار بين شجر الجنة عامة وبين الثمر المحرم الذي يقود الإنسان إلى الخروج من النعيم والى الموت.. «لقد خلقت الآلهة الإنسان منعماً سعيداً لكنه أذنب وارتكب الخطايا بإرادته الحرة فأرسل عليه طوفان عظيم عقاباً له على فعلته ولم ينج إلا رجل واحد هو تجتوح الحائك.. وقد خسر تجتوح الحائك الحياة الخالدة لأنه أكل فاكهة شجرة محرمة». وقد حاولت أساطير شعوب الرافدين وملاحمهم ودياناتهم التغلب على الموت بمساعدة الآلهة واكتشاف سرّ الخلود الأبدي الذي خسره الإنسان مختاراً بعد أكل الثمرة المحرمة.. ونلاحظ أن البحث عن سر الخلود كان محور أساطير الديانات الرافدية وآدابها لكن سرعان ما اكتشفت استحالة ما تصبو إليه لأن (إي) آلهة الحكمة «علّمت (آدابا) حكيم أريدو وجميع العلوم ولم تخف عنه من أسرارها إلا سراً واحداً هو سر الحياة الأبدية التي لا تنتهي بالموت». ولن يستطيع الإنسان الحصول على هذا السر ولذلك بقي الموت أمراً حتمياً لا راد له، وما الحياة الأبدية والخلود إلا للآلهة وحدها «الآلهة وحدهم هم الذين يعيشون إلى الأبد أما أبناء البشر فأيامهم معدودات وكل ما عملوا هراء وعبث .. ففي دواخل هذه الاشكالية تتجلى عوالم اخرى ، اعتقد ان الكاتب السباعي دخلها فكانت رؤيته الرافضة ..
رسم في قصة (مريم البلقاء) لوحة جمعت الوان من التناصات ذات خطوط متوازية واحيانا متعامدة مع المعنى المراد .. واكثر من استثمار القطع واللصق حتى بدا انك امام لوحة ضجت بالوانها الباردة والحارة ، وبالتالي تركت نهايات في فضاء اللون الواحد الذي لايستقر على حال مما جعلنا نقول بالنهايات المفتوحة ، حيث جاء في قصة (مريم البلقاء) : (فتناسى اهلي ان مريم ارادت بموتها التخلص من ضيق جسدها لحبها الكبير لي ، ذلك ما اخبرني به ادونيس عندما التقيته في احلام يقظتي : تخلصت مريم من ذاتها ـ فرديتها ـ وتوحدت معك ، خرجت ذاتها لتدخل بذاتك ، غادرت حبيبتك ظمأها الى ارتوائك ، الى وجودها المليء بك .. لهذا اصبحت كما يصفك ابن عربي) ، وذلك بتعاظم صورة المحبوب وتضخيمها بحيث يضيق خيال المحب عن استيعابها ، مما يؤدي الى نحول بدنه ، وتغير صورته ، فيصفر لونه وتذبل شفتاه وتغور عيناه وتضعف قواه ويغشي عليه اذا رآه ويصعق في الاخير ، وقد يجن وكانت معتقدات ابن عربي تتلخص بما يلي (وحدة الوجود مذهب فلسفي لا ديني، يقول: إن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وإن الله هو الوجود الحق، ويعتبرونه -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته. يقول د. أبو العلا عفيفي في مقدمته لكتاب الفصوص : “ولم يكن لمذهب وحدة الوجود وجود في الإسلام في صورته الكاملة قبل ابن عربي، فهو الواضع الحقيقي لدعائمه والمؤسس لمدرسته والمفصل لمعانيه والمصور له بتلك الصورة النهائية التي أخذ بها كل من تكلم في هذا المذهب من المسلمين من بعده”. ويتلخص مذهب ابن عربي في وحدة الوجود في إنكاره لعالم الظاهر ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا لله، فالخلق هم ظل للوجود الحق فلا موجود إلا الله فهو الوجود الحق. فابن عربي يقرر أن كل هذه الموجودات القائمة من السماء والأرض والجن والإنس والملائكة والحيوان والنبات ما هي إلا الله، وأن هذه الموجودات هي عين وجوده، وأنه لا يوجد خالق ومخلوق ولا رب ولا عبد، بل الخالق هو عين المخلوق، والعبد هو عين الرب، والرب هو عين العبد، وأن الملك والشيطان، والجنة والنار، والطهر والنجاسة وكل المتناقضات والمتضادات ما هي إلا عين واحدة تتصف بكل صفات الموجودات، وهي عين الله الواحد الذي ليس معه غيره و كان يكثر من استعمال لغة الرمز والإشارات؛ وهذا الأسلوب الذي اعتمده ابن عربي تأثر فيه بالفرق الباطنية كالإسماعيلية وكتابات إخوان الصفا وغيرهم. .. هكذا الكاتب السباعي يستعين في التصوف في ايضاح رؤيته الرافضة لقبح الموت ويتمسك بروح حبيبته التي تداخلت مع روحه وظل الكاتب يحاول تعميق وجودها ، رغم موتها .. (مريم ، مريم التي خرجت من احد اضلعي انفقت عمري مثل ادم ابحث عن ضلعي الناقص : مريم . رفع زوار القبور اعناقهم بحركة واحدة لأثر ندائها الثالث ، وكأنهم دجاج يشرب الماء ـ هنا ـ اغمي عليّ ـ بت اسمع صوت وقع حوافر فرس جامحة فوق كلس القبور الكلس يتكسر تحت سنابكها . الصوت القادم ، قادم ، ضوضاء حوافرها تتصاعد تتصاعد. الوقع يتصاعد . يتصاعد . يقترب ، ابصرت من غيبوبتي فرس جدي البلقاء تمتطيها مريم ، مرتدية بدلة زفافها ، مثل فتيات شارع الزواج في لكش علقت على صدرها شالين حريريين احدهما ازرق والاخر احمر ، وبينهما لافتة مكتوب عليها : اليك .. اليك وتعني انها تطلب الزواج ، ترجلت ، فذكرني لون شالها الاحمر بالذات ايام كنا طلابا في المدرسة الابتدائية ، كنت اقترب منها لاسرق شريطها الاحمر الذي تعقص به ضفيرتها ، وبسرقتي لشريطها الاحمر كانت رئتاي تسرقان عبيرها ، فتمتلئان عطرا ، كنت اسرق شريطها الاحمر لاغاضتها كوني احب ان ارى شكل انفها وهي مغتاظة توقظني من غيبوبتي : “اصح ياعنتر . اصح فقد ذبحت عبلتك وما زلت تحلم بهاو انت تمتطي صهوة جوادك تضمها جوارك . اصح ياعنتر” نظرت الي بعينين دامعتين ، فالتقت اعيننا بنظرة لا نهائية كأنها الحياة برمتها ، جأرت مريم قائلة : انا وحيدة يا سبعي !
اجبتها : ألهذا جئتيني زائرة؟
قالت : شفاهي يابسة .
آليا اخرجت لساني لترطيب شفتي السفلى ذات الخط الجميل الذي تحبه مريم وتداعبه في بسبابتها الوديعة المثيرة ، يا الهي : أي عذاب هذا ، قلت وبحة العطش تيبس حنجرتي : انا في اتعس حال يا مريم؟ ) ، وهنا ذكرت هذا النص الطويل لانه حمل كل ما اروم البحث عنه من استثمارات الكاتب السباعي في هذه القصة ، وهي قضية الاسترجاع والحلم والتخيل واستثمار التناص من خلال شارع الزواج في لكش وكل هذا جاء بنسيج لغوي منساب من وصف حيث كان يصف مريم بالبلقاء وحوار الى اخره اضافة الى قضية الخلود من خلال عاطفة الحب التي عمقها في الحوار التالي :
(ـ ربما كرهت يامريم انك متي هكذا ميتة؟
نظرت الي وقالت :
ـ يا سبعي . كانت ميتة مرعبة . لذا جئت اليك.
تطلعت الي بعينيها الخائفتين المتشككتين ، وقالت :
ـ اتوسل اليك ان تصنع لي جميلا؟ اتوسل اليك ان تأتي معي.)
اما قصة (مومياء البهلول) ، فحملت تلك العجائبية والفنتازيا ولاريب فان الفنتازيا الحديثة تضمنت الكثير من الأنواع الأدبية الفرعية التي تنقصها نظائر واضحة في الأساطير والفولكلور، على الرغم من أن الإلهام النابع من الأساطير والفولكلور يُعد موضوعاً متناسقاً. وتتعدد وتختلف فروع الفنتازيا، وكثيراً ما تتداخل مع أشكال أخرى من الخيال التأملي تقريباً في كل وسط يتم إنتاجهم فيه. ويمكن ضرب مثلان على ذلك بالخيال العلمي والخيال المظلم الذين يُعدان نوعين فرعيين، وتشاركهما الفنتازيا مع الخيال العلمي والرعب على حد سواء. ولكن الكاتب السباعي حاول ترويض الفنتازيا لصالح ما يحيطه ويكتنف واقعه الغرائبي في احداثه ، نتيجة ويلات الحروب المرّة القاسية ..وحصاراتها الاكثر قساوة ، وكالعادة لوى الكاتب عنق المدونة التاريخية وتعاطى معها هواجسه ورؤاه الرافضة .. (حصار الذئاب في اتساعه ، رياح شرقية وأدت مدينة ليلا ، صوت ذئاب تعوي ، عواؤها حاصرنا ، امس اول امس قبل عام منذ سبع سنوات والبهلول ممسك بندقية محشوة ، ارث اسلافه ، لكن ! لا اصابع تضغط على الزناد ، فقط عيون ترقب الذئب والزناد ، الزناد وذئاب تعوي ، عواؤها صار شواهد ، دلالات ، امكنة ، حضارات ، وحصارات تجري داخل قوقعة الروح الابدية) ، فمزج بين الزمن البعيد والزمن القريب بحصاراته من خلال ما قاله البهلول .. وما بين البهلول وامارجي اله الحرب لدى السومريين وبين السباعي .. كان خليطا من الغرائبية الرافضة والمحتجة وامرأة العربة التي تبيع الشراب المانح للثراء ، والعافية ، والراحة ، والقوة ، وبلسم يقي من شر الحصار ، وكأني بالكاتب علي السباعي يبحث عن الملاذ الذي عرفه بيير بورديو كالتالي : (هو المجتمع وقد استقل في الجسم عن طريق صيرورة التربية والتنشئة الاجتماعية والتعليم والترويض ، فالمجتمع هنا بكل قيمه واخلاقياته بكل محدادات السلوك والتفكير والاختيار .. انه ذلك التاريخ الذي يسكن الاشخاص في صورة نظام قار للمؤهلات والمواقف)8 اي ان بحث السباعي عن الصراع بين الذاتية والموضوعية التي تحتدم في دواخله باشارات رافضة .. حيث تجسمت هذه الحالة من خلال حوار البهلول والمرأة :
(قالها البهلول بانكسار من على عتبة الحصار وسط شوارع مدينة غرقت بلعاب الكاكي كالمهل انساب من شدقي ثور مجنح حوصر من الوريد الى الوريد بسكاكين قرمزية ، تغرغر الاحفاد بالمهل ، ازدروه الا البهلول بصقه متسائلا: ـ أتبعين احلاما يا أمرأة ؟
عيناها تشعان صمتا قديما باردا هلاميا كمح بيضة اليربوع ، تنظران صوب بلدة الغبار والزقوم تدحرج صوتها متآخيا مع هرجهم:
ـ كن اول من يجرب البلسم يا بهلول.)
(ومن بين التقنيات بدأ مفهوم التغريب اكثرها جاذبية واشدها وقعا ، وقد عبر الناقد شكلوفسكي في مقالة “الفن تقنية” عام 1917 ويشير عنوان المقالة بوضوح الى اقتران دلالة الفن ومفهومه بالتقنية او الوسيلة ، اذ يقول : “ان الهدف من الفن هو ان يمنح الاحساس بالاشياء كما تدرك ، وليس كما تعرف ، وتتمثل تقنية الفن في ان يجعل الموضوعات غير مألوفة وان يجعل الاشكال صعبة ، وان يزيد صعوبة الادراك وطوله ، لان عملية الادراك غاية جمالية في ذاتها ، ولابد من اطالتها ، والفن طريقة لتجريب فنية موضوع ما ، اما الموضوع فليس بمهم ، ولعل هذا الاهتمام بالبعد غير المألوف وجعل مقصدية الفن وغايته مقترنة بها هي التي سوغت فيما بعد تصاعد الاحساس بجوهر الفن القائم على الغرابة ، وجعل مخالفة المألوف والانزياح عنه معيارا اوحد للشعرية)، و(ان بناء المعيار الذي تنتقل به المدركات والافعال المألوفة الى الوصف “المغرب” ، او غير المألوف هو غير محدود ، وقائم على افق مفتوح لتراكم الخرق ، ولا نهائيته ، واندغامه بالاسلوب ، الذي غالبا ما يؤثر على طبيعة الادراك ومنظوره ، عبر وسائله الخاصة الخاضعة لامكانات التجريب المفتوحة) 9 غير ان التجريب لم يأت نتيجة نزعة ذاتية قائمة بذاتها ولذاتها فحسب ، انما جاء نتيجة محاورة للأنموذج القصصي الاروبي بصيغ متباينة من الاقتباس والمحاكاة والتأثر الفني والفكري)10..
رؤية السباعي
وحملت قصة (وساخات ادم) رؤية السباعي الرافضة في صورة ثورة احتجاجية تقودها مدن الصمت التي تنتظر المخاض برغم ان (العصر زمن عقاربه مد وجزر) ، وخطوات ادم تجتر هذا العالم المنفعل المتلاطم ، و(شمس الغروب جريحة ، تتعكز على غيمتين فضيتين كجريح يعود من الحرب ، ضماداتها غيمات حمر ، “ثم ان”جامع القمامة ينادي : قمامة للبيع … نفايات للبيع … سكراب للبيع) ، و(شرع ادم يلطخ رؤوس تلال النفايات بدم الشمس ، بدت كأحشاء المناجم المتروعة من بطن الارض . لافتة تقول : من النفايات سنبني حضارتنا) ، لتشكيل هنا اكبر صرخة احتجاجية حملتها رؤية الكاتب الرافضة في البحث عن حقيقة معنى و(المعنى اذن حصيلة مشتركة على الدوام ، تتعاور على انشائه قدرات المؤلف وطاقات اللغة الادبية وحساسية القاريء المرهفة ، وسواء كان هذا المعنى انزياحا عن ما يسمى بمنطقة المعنى الاصلي ام مبتكرا جديدا عن طريق الادراك الاستعاري لذهن الاديب ، فان البحث عنه في الدرس النقدي المعاصر يعد نوعا من المشاركة في عملية انتاجه ، تتم بين المؤلف والقارئ اذ بات النص الادبي عند المحدثين ليس صياغة للمعنى ، بل محاولة لاكتشاف المعنى ، لذلك تجدنا في محاولتنا لفهم الارتباط بين طرفي الصورة الادبية ، لانبحث عن سر البراعة في اداء معنى معين ، بل نبحث عن المعنى نفسه)11 ومن خلال السفر عبر نصوص الكاتب السباعي نجد ان هناك قصدية واضحة ، لتعميق رؤيته اذن القصدية تعني الموضوعية في احكامها على نص لغوي .. وبالتالي هي محل اشتراك بين النص ومبدعه ومتلقيه في مجالاتها الادبية ، ففي اللغة نجد ان عناصر هذا الموضوع تتعلق بمنشأ الحرف والتعاقبات الصوتية وما تنتجه من ألفاظ وفق تسلسل معين وعلاقة الدلالة بالمدلول .. الخ ، وهنا لاتوجد عصمة للنص، فالتطابق بين “الدلالة والمدلول” وهو جوهر “القصد” في اللفظ بكل ما ينتج عنه من قواعد تضبط فهم اللفظ وان العبارة وانطباق مفهوم “النظام” القصدي على النصوص لا يمكن أن يطبق بحذافيره إلا على نص معصوم لأنتفاء الذاتية مطلقاً في كل الموضوع ..فيمكن للآلية القصدية أن تعمل في هذه النصوص بكل هدوء وذلك لاكتشاف الحكم الموضوعي في أي نص معصوم، حيث أن أحد طرفي المعادلة ثابت وهو انتفاء الذاتية في النص وقصدية النظام الواحد في مجمل النصوص المعصومة الشريفة، وليس على الباحث القصدي إلا التأكد من نفي ذاتيته في اكتشاف الحكم الموضوعي في القضية التي يتناولها النص.. يقول الناقد طراد الكبيسي : (فالجنس الادبي يتحدد بالتحام جملة من المميزات التي تعد مهمة ورئيسية ومهيمنة في بنية العمل) ، وكان ديدن الكاتب علي السباعي في اعماله السردية ان يعمق ميزات خاصة بنصوصه يتخفى داخل اروقتها المعنى وخير مثال هذا النص من قصة (وساخات ادم):
(ندّت عن ادم زأرة حبيسة :
ـ حفاة ! اعلنوا هزيمتكم .
حشرجات عديدة :
ـ أأأ .. ح ح ح … ر ر ر … ق ق ق … ووو… هـ هـ هـ .



















