
من السهل أن تحصل على مطرقة أو معول وتهوي بهما على تمثال شاعر، أو سياسي أو موسيقار، أو على حائط إحتفظ بنقوش قديمة، وحتى محراب من المرمر الأزرق تسلقت تقوساته تعريقات نباتية، نقلته الى فضاء بعيد عن الحجر.
هل يمكن لهذا التكسير ان يمحي تأثير تلك المعالم. وهل يكفي ان نرفع حطام ما كسرت المطارق والمعاول لنقول أن ارادة ما انتصرت؟ .
وتبقى العيون الكليلة والفتية التي رأت كيف تهوي المعاول والمطارق، تخزن في ذاكرتها المكانية والبصرية واللفظية دقائق ما حدث، لتعيد الاسماء لكل الاماكن التي اطيح بها او تطايرت اشلاؤها او استبيح سترها، لأنها ما كانت لتنام دون ان تسترجع اطياف وشواخص ما مرت عليه بالتدمير تلك الاكف الخائرة. لن تنسى تلك الذاكرة وقفة فتاة الربيع الواثقة في باب الطوب وهي تهم بالمضي الى مقامها القديم امام عمارة التأمين. التي تهاوى جلالها بفعل صواريخ القوى الناعمة. وكذلك حبيب ابن اوس الطائي، اكاد اقرا له: السيف اصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب. كلما مررت بمكان اطلالته على دجلة. اما عثمان فيستقبلني كلما يممت وجهي من باب الجديد مخترقا دخان الشواء باتجاه محطة القطار بواحدة من تنزيلاته او الحانه كأن تكون، لي فؤاد حن، أو اختفت شمس الضحى،أو عل الروزنا الروزنا، او زوروني كل سنة مرة.
في اللحظة التي اومض فيها غبار الإنفجار وتهاوت منائر وقباب الجوامع والمقامات والنصب، بدأ عصر جديد من اللا تخلي والرغبة باعادة السؤال، الذي ظل محلقاً، والذي لم يكتف بأللماذا التي نمت في افق كل ابناء الموصل. من بنى كل هذه الصروح؟.
نعم بنتها اكف الكأدحين من معمارين وشغيلة وكانت تحرسها اعين الناس وتتابع تطور البناء واستقامته، لكن قبل ذلك بناها الفكر الذي وجد من الضروري ان تتجسد له رموزاً تليق باجتهاد الإنسان ونظاله وكفاحه، وهي بالأساس رسائل فيها شفرات ورموز تحل احجيات، ومعالم تسلط الضوء على هذا البقاء والقدرة على الاستمرار على مدى الأربعة الاف سنة ويزيد من التوغل في العمق ومد الجذور لأبعد مدى ممكن. كم هو ساذج وواهم ذاك الذي تصور للحظة انه يمكن أن يجتث هذا البقاء. فأي عابر سبيل لا يستطيع أن يفهم فعل هكذا سحابة واسعة من الزمن اطبقت على مدى اربعة الآف سنة ويزيد، والتي لا تقدر ايما ريح على ازاحتها فهي مهيمنة ليس بوجودها المادي في الأسوار والمنائر والكنائس والمراقد والنصب والتماثيل، بل هي بشكل الأسواق وانحناءات الازقة واتكاء البيوت علىأكتاف بعضها، بالقناطر والمعابر والأعمدة والخانات والحمامات، اللهجةالمتفردة عن باقي المدن، بتفرد مطبخها، والأزياء والزغاريد ومراسيم ختان الفتيان، في اسلوب تلقي العلم واعداد القهوة وايقاع طاسات السواسين.لن تجد فعلا انسانياً مشهودا له الا وكانت له بداية حكاية انطلقت من هنا. لذلك فإسقاط نصب شاعر لن يقتل الشعر بقدر ما سيدفع به الى افق من الحداثة لأنه كالعنقاء تقوم من رمادها اكثر بهاءٌ . وكذلك الحال مع تكميم نغمة عود أو صوت مداح، سيأجج كل ذي صوت شجي باستذكار صوت عثمان واحياء تراثه. الجمال لا يمكن محوه بالقوة والقوة لا تبني اذا لم تتسلح بالجمال واحترام الانسان، ومن كانت نفسه بغير جمال لا يرى في الحياة شيئاً جميلا.
هكذا ارى العازفون يعيدون نصب عثمان الموصلي بألحانهم ويجلسونه في نفس الساحة التي تورق من حوله بالف ربيع يطمس غباء خادشيه.
اما أبا تمام فما عاد يرتضي الوقوف في مكانه، بعدما حررته المعاول فهو سعيد بتجواله على طول شارع الكورنيش من حيث يبدأ حطام جامع الخضر او ما يعرف بالجامع الأحمر او جامع المجاهدي * الى حد الجسر الحديدي او ما يعرف بالجسر العتيق، يخاتل المارة بعمامته وزبونه بين نخيل الزينة واشينطونيا الذي يتراصف على طول شريط الكورنيس كفصيل من الحرس الاسطوري الإمبراطوري القديم ليغيب ويظهر ومنيسير وراءه من ابناء الموصل بعينهم، على مسافة منه ،وهو يبارك لهم حداثتهم. ومن قلب مدينة الزهور تجد حاملة الجرار تغازل ايقاعات /طاسة / نصب السواسالنحاسية المتوزع رنينها في ارجاء حديقة شاذل طاقة في مدخل مدينة المنصور حيث الكدح يبقى على الوجوه، ولن تجدها تغفل عن ايقاع طاساته النحاسية ذات الرنين اللامع. في الوقت الذي ستزهر فيه باقة الزهور المستلقية على زند فتاة الربيع المشغولة اصلاً من مزيج سبائكي لا يعرف اسراره الا أجدادها الأوائل في آشور، حتى وان كان الوقت خارج الفصول فما الضير ان يكون للمدينة ربيع ثالث يصنعه ابناؤها لحظة العبور الى صفحة النور.



















