طاليس الشرق الذي تجاهله الغرب – طه جزاع

287

تِنين الصين المتواري خلف السِحاب

طاليس الشرق الذي تجاهله الغرب – طه جزاع

أعرف أن في قدرة العصفور أن يطير

والسمكُ أن يسبح

والوحشُ أن يعدو

فالعصفورُ تُعَدُ له النِبال

والوحشُ تُهيأ له الشِباك

والسمكُ يُصنع له الشِصّ

لكن التنين المتواري خَلف السِحاب .. وتدفعهُ الرياحُ صوب السماء

أبعدُ عن مداركي

ولعلَ لاو تزو تِنين !

 منذ ما يقرب من الثلاثين عاماً ، أعلن هادي العلوي ، وهو يعد العدة لإصدار كتابه ” المستطرف الصيني ” عن استغرابه من عدم التفات المسلمين إلى مذهب كونفوشيوس ، مشيراً إلى أن العديد من المسلمين عرباً وتركاً وفرساً اندمجوا في المجتمع الصيني ، وعرفوا من خلال علاقة مديدة ومتواصلة لأكثر من ستة قرون ، فنون الصين وصناعاته ، ولم يتوغلوا أبعد ليعرفوا فلسفتها كما فعلوا مع فلسفة الاغريق : ” ودخلوا في خدمة الدولة في وقت مبكر من تدفقهم على الصين في العصر العباسي الأول ، وشاركوا في الامتحانات الامبراطورية التي تسبق الدخول في الخدمة ، وتوظف الكثير منهم بعد نجاحهم في هذه الامتحانات ، وكان موضوع الامتحانات في المقام الأول هو المأثورات الكونفوشية ” . وقد حاول العلوي تفسير هذا الوضع الغريب – بحسب تعبيره – مشيراً إلى  ” ان الفكر الاسلامي يتحدث عن فلسفة الاغريق وحكمة الهند وصنعة الصين وسياسيات فارس ، ولم يرد على بال مثقف مسلم أن يسأل عما قد يكون وراء فنون الصين وصناعاتها من معرفة عقلية ” . وبقي استغراب العلوي حول هذا الأمر قابلاً للتفسير والتأويل إلى يومنا هذا ، وقد أعاد  د. عبد الحسين شعبان ، في مداخلته ضمن مناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وعقدت في بيروت خلال شباط / فبراير 2017 بمشاركة نخبة من الباحثين الصينيين والعرب والغربيين المتخصصين في الشؤون الصينية ، إلى الاذهان استغراب العلوي ، معللاً الأمر بأنه : ” قد يعود في الماضي إلى المسافة الشاسعة والطرق الوعرة ، إضافة إلى غياب الطرف الوسيط ” المُترجِم ” الذي يعرف اللغتين العربية والصينية ، وهو ما كان المترجمون ” السريان ” يفعلونه بخصوص التراث اليوناني والفارسي الذي نقلوه إلى اللغة العربية ” ، وإن كان لمؤرخ فلسفة مثل د. عبد الرحمن مرحبا ، صاحب كتاب ” من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ” رأي أقدم من ذلك ولا يتفق معه ، إذ يرى : ” ان الحكمة الصينية رغم ما قامت به من محاولات صادقة للتجديد والانفتاح على الثقافات الأخرى ، فقد ظلت – شأنها في ذلك شأن الحكمة الهندية – بعيدة عن المنطق والدقة والمعقولية ، وبالتالي لم تستطع أن تنفذ إلى تراث الفكر العالمي لتقدم له شيئاً ايجابياً بنّاءً وتسهم في رقيه وتطوره ” ، ويُعد بقاء هذه الحكمة حتى الآن ” كبقاء المومياء محنطة في ظلمات القبور ! ” .

 عرب على أبواب الصين

وفي مداخلته تلك يستشهد شعبان بعدد من المثقفين والباحثين العرب الذين أعادوا التواصل الفكري والثقافي مع الصين ، وحاولوا تسليط الضوء على العلاقات العربية – الصينية ، ومنهم الدكتور فيصل السّامر في كتابه ” الاصول التاريخية للحضارة العربية الإسلامية في الشرق الأقصى ” ، وعبد المعين الملوحي الذي قام بترجمة كتاب ” تاريخ الشعر الصيني المعاصر ” ، وفؤاد محمد شبل في كتابه ” حكمة الصين : دراسة تحليلية لمعالم الفكر الصيني منذ أقدم العصور ” ، وهادي العلوي الذي ترجم ” كتاب التاو ” وصدرت طبعته الأولى في العام 1980 فضلاً عن انجازه كتاب ” المُستطّرف الصّيني ” في العام 1992 كذلك لابد من الاشارة إلى الورقة التي قدمها شعبان نفسه إلى المؤتمر الرابع للحوار العربي – الصّيني الذي نظمه المعهد الصيني للدراسات الدولية في بكين خلال أيلول / سبتمبر 2010 وكانت بعنوان ” الفلسفة التاوية وصنوها الفلسفة الصوفية : وحدة الوجود والحضور والغياب . أما فيما يخص المثقفين والسياسيين والباحثين العراقيين تحديداً والذين أسهموا في تعزيز تلك العلاقة ، فيشير إلى القيادي الشيوعي العراقي عامر عبد الله ( ت 2000) في زيارته للصّين، حيث التقى زعيمها ماو تسي تونغ ” وقد تأثر آنذاك أشدّ التأثير بالتجربة الصينية المعاصرة وبفلسفتها القديمة ” ، والشيخ محمد حسن الصوري ( ت  (1998 صاحب جريدة الحضارة الذي عاش في الصّين ودرَّس اللغة العربية في بكين ستينات القرن الماضي ، والشاعر اليساري كاظم السماوي ( ت 2010)  الذي عاش أيضاً في ستينات القرن الماضي وجزء من سبعيناته في بكين وتأثر بالحياة والفلسفات الصينية ، ولاسيما الكونفوشيوسية والتاوية ، والباحث التراثي هادي العلوي الذي كان أكثرهم تأثراً بالفلسفة التاوية ، واعتبر نفسه سليل الحضارتين العربية – الإسلامية والتاوية – الصّينية ، والفنان التشكيلي رافع الناصري ( ت 2013) الذي دَرَس الغرافيك في الأكاديمية المركزية في بكين ، واقام أول معارضه في هونغ كونغ في العام 1963 وأصدر كتاباً بعنوان ” رحلتي إلى الصين ” ، فضلاً عن التجربة الصينية المعروفة للشيخ جلال الحنفي البغدادي .

 طاليس الفلسفة الصينية وسقراطها

 دأب مدرسو الفلسفة ، ولاسيما في العالم العربي على تلقين طلبتهم ، بأن بداية التفكير الفلسفي التأملي ، كانت في ملطية على يد طاليس في القرن السادس قبل الميلاد ، وهو أول الفلاسفة الطبيعيون الأوائل ، الذي قال بأن الماء هو أصل كل شيء حي، تبعه انكسيمندريس الذي قال بمادة أولى أسماها الأبيرون ، أو اللامتناهي ، ثم أنكسيمانس الذي قال بالهواء ، وهرقليطس الذي أعاد الاشياء كلها إلى النار . وتكاد أغلب كتب تاريخ الفلسفة ومناهجها التي تدرس لطلبتها في الجامعات، ولطلبة الثانوية في عدد من البلدان العربية ، أن لا تترك شيئاً في ذلك التاريخ من دون ذكر موجز أو مفصل ، باستثناء الفلسفة الصينية التي يتم الإشارة اليها أحياناً بإيجاز قصير وبكونها تمثل حكمة لا فلسفة ، ضمن الحضارة الصينية القديمة ، وهي احدى الحضارات الانسانية الكبرى إلى جانب الحضارات الاغريقية والفرعونية وحضارة وادي الرافدين، وعادة ما تبدأ تلك المناهج والكتب المنهجية المقررة في تاريخ الفلسفة ، بالفلسفة اليونانية ، وفق يقين ثابت ، بأنها تمثل البداية الحقيقية للتفكير الفلسفي ، وتطوره اللاحق في الفيثاغورية والإيلية ممثلة في أكسانوفان وبارمنيدس وزينون الإيلي ومليسوس ، والطبيعيون المتأخرون أمثال أنبادوقليس وديموقريطس وأنكساغورس ، والسوفسطائية ممثلة بأشهر السوفسطائيين بروتاغوراس وغورغياس ، وصولاً إلى سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس ، ثم الأبيقورية والرواقية والشكاك ، وانتهاءً بالأفلاطونية المحدثة متمثلة بفيلون الاسكندري وأفلوطين ، والفلسفة الهلنستية التي نتجت عن تلاقح العقل اليوناني الغربي مع الروح الصوفية الشرقية .

 والحقيقة أن نظرة موضوعية متفحصة للفكر الصيني ، بغض النظر فيما إذا كان يمثل نظاماً فلسفياً مجرداً ، أو أنه يمثل منظومة أخلاقية وروحية فحسب ، ترجح وجهة النظر التي تقول أن هناك أسباباً لا علاقة لها بعمق هذا الفكر – قد يكون غياب الترجمة – في مقدمتها ، هي التي دفعت بمؤرخي الفلسفة ، وعموم الفلاسفة العرب والمسلمين ، لتجاهل الفلسفة الصينية ، واعطاء جل اهتمامهم للفلسفة اليونانية والغربية عموماً  ، مع أن كلاً من الفلسفتين اليونانية والصينية ، بدأتا – بحسب بعض الآراء – في حقبة زمنية متقاربة نوعاً ما هي القرن السادس قبل الميلاد ، وعاش في السنوات ذاتها تقريباً ، كلاً من الفيلسوف الطبيعي طاليس ( أول من تفلسف ) في ملطية ، ولاو تزو أو لاو تسو وتشوانغ تزو وكونفوشيوس في الصين، بل أن الكثير من الصفات الجسمانية الظاهرة تجمع بين كونفوشيوس وسقراط الذي جاء بعده ، وكان الأول يزدري اللغة المنمقة ، مثلما ازدرى سقراط السوفسطائيين ، غير أن الأمر يبدو معكوساً في مسألة الصفات بين سقراط وأفلاطون، إذ أن لاو تسو هو الذي يمثل سقراط في الفلسفة الصينية  ، فضلاً عن كونه طاليس هذه الفلسفة .

 الـ ( ين ) و الـ ( يانغ )

وفي كتابه ” حكمة الصين ” يلمح ه . فان براج إلى أن الصينيين يختلفون في تحديد العصر الذي عاش فيه لاو تسو ، لكن التقاليد الصينية تريده أن يكون معاصراً لكونفوشيوس ، وأكبر منه سناً ( لاحظ كيف يصبح الأول للثاني مثل سقراط لأفلاطون لاحقاً ) وينقل لنا صاحب حكمة الصين ، حكاية زيارة كونفوشيوس للاو تسو ، والحوار الروحاني الصوفي المهم الذي جرى بينهما : ذهب كونفوشيوس لزيارة لاو تسو فوجده جامداً بلا حراك ، وفي حالة انخطاف بالروح ، واستولت عليه الغيبة ، بينما كان يجفف شعره بعد الوضوء  .  انتظر باحترام حتى يعود إلى نفسه ، ثم قال له :

–         لقد تركتُ الأشياء والناس ، واختليتُ في عزلة الأنا !

–         ماذا يعني ذلك ؟ سأله كونفوشيوس

–         لم أعد بعد تماماً إلى حالتي . فروحي ماتزال متعبة ولا تستطيع بعد التفكير كما ينبغي ، وفمي المشدود لا يستطيع النطق بسهولة ، ومع ذلك سأحاول ارضاءك .ثم يشرح له مفهومي الـ ( ين Yin ) ) و (اليانغ Yang) بقوله : ان ذروة الـ (ين) هي السلبية الهادئة ، وذروة الـ (يانغ) هو النشاط الخصب . إن سلبية الأرض تعرض نفسها إلى السماء ، وإن نشاط السماء يمارس على الأرض : من هذين الشيئين ولدت جميع الكائنات . والحقيقة أن الـ ( ين ) و الـ( يانغ ) يمثلان في الفكر الصيني الوحدة لا الثنائية، فاليانغ يمثل العنصر الايجابي الفعال القادر على انتاج أي شيء ، وهو يرمز الى العنصر السماوي الذكوري المتحرك المتمثل في الشمس والضوء والحرارة والحياة ، اما الين فهو يمثل العنصر المنفعل الساكن والسلبي والأنثوي اللين ويتمثل في القمر والظلمة والبرودة والموت ، وفي اليانغ والين يتوافر التناسق والانسجام في كل الوجود والموجودات . ” حكمة الصين ، ه .فان براج ، ترجمة موفق المشنوق ، دار الأهالي ، دمشق ” . ” الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة ، د . عمر عبد الحي ، المؤسسة الجامعية ، لبيروت ” . ان فكرة الأضداد والتناقض بين الـ ” ين ” و الـ “يانغ ” تذكرنا أيضاً بفيلسوف الصيرورة الاغريقي هيراقليطس ، الذي قال بالمعنى نفسه تقريباً : ” كل شيء ينساب ولا شيء يسكن ، كل شيء يتغير ولا شيء يدوم على الثبات ،إنك لا تستطيع النزول مرتين إلى النهر نفسه ، لأن مياهاً جديدة تنساب فيه باستمرار ، الاشياء الباردة تصير حارة ، والحارة تصير باردة ، ويجف الرطب ، ويصبح الجاف رطباً . إن الاشياء تجد راحتها في التغيّر ” . ” النشار ، أبو ريان ، الراجحي ، هيراقليطس ، دار المعارف ، القاهرة ” . ويُنظر إلى هذا للقاء بين المفكرين ، على أنه لقاء بين التاوية أو الطاوية والكونفوشيوسية ، وقد تحولتا لاحقاً من فلسفتين إلى دينين يتبعهما أغلب الصينيين ، لاسيما الكونفوشيوسية التي اعتمدت طقوساً وممارسات وسلوكيات دينية بحت ، فضلاً عن البوذية وبعض الديانات الأقلية الأخرى مثل الهندوسية والمسيحية والإسلامية .

كونفوشيوس يلتقي لاو تزو

وينقل د . عمر عبد الحي في كتابه ” الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة ” عن المصادر التاريخية الصينية ، بأن اسم فيلسوف التاوية كان ” تان ” واسم عائلته ” لي ” إلا أنه اشتهر بلقبه لاو تسو ، ولم يعرف قط باسمه الحقيقي ، وتعني كلمة لاو تسو باللغة الصينية المعلم القديم ، أو المعلم كبير السن . ويشكك البعض بوجود شخصيته التاريخية ، مثلما يشكك بعضهم بوجود الشخصية التاريخية لسقراط اليونان . ويحكي مؤرخ التاريخ الصيني زومان تشين ، الملقب بأبي التاريخ الصيني ، كما ورد في قصة الحضارة لديورانت ، ، بأن كونفوشيوس ذهب ، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره ، إلى ( لوبانغ ) للقاء لاو تزو الذي كان على فراش الموت ، بغية الاطلاع منه عما تحويه خزائن المكتبة الملكية حول الشعائر والطقوس ، فأجابه لاو تزو قائلاً : إن ما تتحدث عنه يتعلق بكلمات أناس ماتوا ولم يبق منهم سوى عظام نخرة . تخلص من عجرفتك ومن جسارتك ، وابتعد عن الطموح والادعاء ، فهذه الصفات تحيق بشخصك أبلغ الأضرار ، وهذا كل ما لديَّ . وقال كونفوشيوس فيما بعد ، معلقاً على قول لاو تزو : أعرف أن في قدرة العصفور أن يطير ، والسمك أن يسبح ، والوحش أن يعدو : فالعصفور تُعَد له الِنبال ، والوحش تُهيأ له الشِباك ، والسمك يُصنع له الشِصّ ، لكن التنين المتواري خلف السِحاب وتدفعه الرياح صوب السماء ، أبعد عن مداركي … ولعل لاو تزو تنين ! . وبذلك يكون كونفوشيوس أول من شبه لاو تزو بالتنين ، وكثيراً ما يُصور لاو تزو بالتنين رمزاً للوعي ، كما يُصور عادة راكباً على جاموس ، رمزاً للاجترار الهادئ للواقع .لكن ما الذي يعنيه التاو أو الطاو ؟ هو المنهج أو الطريق أو الكلمة ، وهو التعبير الذي يقصد به التناغم والتناسق الذي يتبعه الوجود في ترتيب عملية الوحدة بين جميع عناصره لتحقيق ذاته الفعلية والحقيقية ، وقد سعى بعض الباحثين إلى الجمع بين معنى ” الكلمة ” ومعنى ” الطريق ” مستندين إلى التصور الإغريقي للفظ ” لوغوس Logos وهي الكلمة ، أو العقل ، أو الوسيط بين الله غير المرئي والعالم المرئي . كذلك فإن المفهوم الديني للوغوس يجد تعبيره النموذجي في مستهل انجيل القديس يوحنا : ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله . هذا كان في البدء عند الله ” ويشير برانج إلى أن الطاو هو أعمق وأوسع الرموز التي اعدتها الثقافة الصينية ، وقد شهد هذا المفهوم تطوراً طويلاً قبل أن يكتسب المحتوى الصوفي . ويشرح الباحث الصيني الفرنسي هنري ماسبيرو التاو بقوله : ” ان العلم الحقيقي ، بالنسبة للحكيم ، ليس علم الأشياء المحسوسة ، إنه علم المطلق التي تسميه الطاوية بالطاو ” ، لكن كيف يمكن اكتساب الطريق الذي يوصل إلى الطاو ؟ يواصل ماسبيرو : ” إنه لا يكتسب بالدراسة .. أولئك الذين يريدون الحصول على الطاو يبحثون عن مالا تعطيه الدراسة ، وأولئك الذين يريدون الحصول عليه بالجهد ، يبحثون عما ما لا يعطيه الجهد .. والتجربة وحدها تسمح ببلوغ الطاو ، عبر مختلف المراحل التي وصفها المتصوفون في كافة الأزمنة وجميع البلدان : انفصال ، زهد ، وَجد – الذي هو تارة رعدة وتارة حالة رؤية – . وفي النهاية : الاتحاد الذي يشكل ” السر الخفي العظيم ” ولا يحتاج الباحث ، أو القاريء المطلع اطلاعاً بسيطاً على التصوف الإسلامي ، مدى التشابه ، بل والتطابق أحياناً ، بين أحوال ومقامات هذا التصوف ، مع مراحل التصوف الطاوي . وينُسب إلى لاو تسو معلم المعلمين كتاب ” طاوتي كينغ ” الذي يمكن ايجاز حكمته كاملة في هذه الحكمة : ” أولئك الذين يتكلمون لا يعرفون . أولئك الذين يعرفون لا يتكلمون ” فيما كانت الحكمة كما يراها كونفوشيوس هي معرفة الناس ، والفضيلة هي حب الناس . ” الفكر الصيني من كنفوشيوس إلى ماو تسي تونغ ،ه . ج . كريل ، ترجمة عبد الحميد سليم ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ” . وكان المفكر الثاني للتاوية تشوانغ تسو يردد باستمرار :  ” ان الطاو يسبق جميع التناقضات ، انه المبدأ ، والأصل الأول والكل ، والمحرك الأول ، والكمون ، وجوهر الكمون ، خلق كل شيء ” ويصف هادي العلوي ” التاو ” وفق لغة الفلاسفة المسلمين ، بالبسيط الذي هو مبدأ كل الأشياء . ” وهو بهذا التحديد يمكن ان يكون مقابلاً لـ : الباري ، العقل الأول ، المحرك الأول . مع فارق اساسي هو ان الفيلسوف التاوي لا يميل إلى تحميل مطلقه بعداً روحانياً واضحاً وحاسماً ، لأنه لا يتعامل مع الالوهية .. كما يتحدث التاوي هواي نان عن استجابة الاشياء تلقائيا للتاو ، فهي تذكرنا بمحرك ارسطو الأول الذي لا يتحرك ، وإنما تتوجه اليه الأشياء بحاسة العشق التي في داخلها ” . ” التاو ، نصوص من الفلسفة الصينية القديمة ، لا وتزو ” .

إذا حَضَر النبي

في مستطرفه الصيني ، وقبل ذلك مقدمته العميقة التي قدم بها ترجمته لكتاب التاو – وهي أول ترجمة عربية للكتاب – ، يفجر العلوي مفاجأة من العيار الثقيل في إعادة كتابة تاريخ بدء التفكير الفلسفي ، ويدعو إلى تعديل هذه البداية ” لولا أننا لانزال مُستَعبدين للغرب ” ! .  كيف ؟ وما قرينته لدعم هذه الدعوة ؟ . إنه يعيد فرضية العناصر الأربعة الإغريقية : التراب ، النار ، الهواء ، الماء، إلى فرضية صينية أسبق منها ، تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد ، هي فرضية العناصر الخمسة التي قال بها الصيني ” شي بو ” الذي اكتشف هذه العناصر قبل لا وتسه – كونفوشيوس بثلاث قرون ، وقبل طاليس بقرنين ، أي أنه يعيد بداية التفكير الفلسفي إلى ما قبل القرن السادس قبل الميلاد ، كما هو متعارف عليه عند أغلب مؤرخي الفلسفة ، ويحل ” شي بو ” محل ” طاليس ” ، ولا يكتفي بذلك ، إنما يسلب هذه البداية التاريخية للفلسفة من الاغريق ليمنحها إلى الصينيين !  . غير أنه ما يلبث أن يجد حلاً منصفاً ، بين حفرياته التاريخية الصينية ، ورغبته العلمية ربما ، وما هو معروف ومتداول في التاريخ الفلسفي ، فيقول : ” للفلسفة بدايتان ، في ملطيا حيث كان طاليس المولود عام 650 ق . م ، وفي ليشيانغ من اعمال جنوب الصين حيث ولد لاوتان في حدود 600  ق . م ولاوتان هو المعروف في تاريخ الفلسفة الصينية بلقبه لاوتزو ، وهو مؤسس التاوية فلسفة الصين العظمى ” . ويلقي اللوم على ” اساتذتنا في القارة البيضاء ” في اننا لم نعرف سوى طاليس القادم من الغرب ، مع أن للفلسفة ثمة بداية اخرى تعاصر بدايتها المعروفة لدينا : ” دون أن تداخل احدنا ريبة في أمانة هؤلاء النقلة الذين اخذنا منهم وعي الذات ، ووعي التاريخ .. فضلاً عن وعي السوق ” ! وهو يقصد أن أولئك الأساتذة ” قد استمرأوا التصدير منذ أن وجدوا اسواقنا نافقة لمنتجاتهم ، ليس على اساس المنافسة الحرة التي اتخذها اباؤهم الاقربون ، بل على سبيل الاحتكار والمتاجرة ” . الصين تفرض ظلها على العالم ، شئنا أم أبينا ، ولا بد من التعامل مع هذه البلاد اللغز ، وإعادة قراءة تواريخها وفلسفاتها ودياناتها وأفكارها ، لاسيما حين تتحول الفلسفات إلى أديان ، مثل التاوية والكونفوشيوسية … وإذا حَضرَ النبي في الشرق .. بَطَلَ الفيلسوف ! .

هكذا تحدث هادي العلوي

مشاركة