صمود العراق‮ ‬وتعريب ستراتيجية التقسيم‮ ‬- مقالات – خالد عمر بن ققه‮ ‬

صمود العراق وتعريب ستراتيجية التقسيم – مقالات – خالد عمر بن ققه

سيذكر التاريخ أن العراقيين مثّلوا أنموذجا للصّبر والمواجهة.. لقد اختلفوا إلى درجة الاقتتال، وكان بأسهم بينهم شديدا ولا يزال، لكن مع ذلك كله ظلُّوا محافظين على وحدة بلادهم، وكأن لسان حالهم يقول:” ما ترونه من ظلام حالك يستحضر التاريخ في اختلافاته المذهبية والطائفية هو مجرد حالة عابرة، وإن أذكى نارها السفهاء منا والدّخلاء والغزاة، وأن الثابت هو وحدة العراق وتعايش أهله، وصبرهم على البأساء والضراء”.

لا يحتاج القول السابق إلى أدلة، لأن مواجهة قوى الشر التي بدأت منذ احتلال العراق في 2003 وإلى غاية اليوم، أكّدت على تشبّث بالوحدة لا مثيل لها في عصرنا ـ وقد يكون في باقي العصور الغابرة ـ رغم بحور الدماء التي نراها، ورغم انهيار الجبهة الداخلية في أوقات كثيرة، وأيضا رغم القتل المُمَنْهج والنزوح الجماعي، وتثوير الأقليات من خلال إرهاب مؤطّر ومدعوم دوليا،  وقطع لأواصر القرابة بين العراقيين، بل والعمل من أجل فصل سكّان بغداد عن بقيّة الشعب، وعدم النزوح إليها هرباً من بطش قوى الظلام والإرهاب إلا بكفيل.

لذك كلّه ولغيره كان من الطبيعي أن ينتفض أغلب العراقيين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء حيدر العبادي، في حركة عفوية لكنها واعية عهدناها من العراقيين أيام عزهم  ضد التعليقات المنسوبة للجنرال الأمريكي رئيس أركان الجيش الأمريكي المنتهية مهمته رايموند أوديـرنو بشأن احتمال تقسيم البلاد، وذلك حين قال الأربعاء الماضي (12  اب 🙁 2015 إن التقسيم يمكن أن يحدث، لكن الأمر متروك للسياسيين والدبلوماسيين أن يقرروا ذلك.. قد يكون هذا هو الحل الوحيد، لكني لست مستعداً أن أقول ذلك حتى الآن”.

أمنيّة أمريكيّة

لقد اعتبر مكتب العبادي ما جاء على لسان الجنرال الأمريكي” تصريحات غير مسؤولة وتنم عن جهل بالوضع في العراق”، لكن هل هذا كافٍ لحماية العراق من التقسيم على غرار ما حدث في دول عربية أخرى مثل: الصومال والسودان، وما تسعى قوى خارجية وداخلية للقيام به في سوريا وليبيا، وتدعمه بتحالف عسكري عربي ـ لم نره منذ حرب تشرين الاول 1973 ـ في اليمن.

الإجابة هنا، أنه غير كاف بالتأكيد، وذلك لعدة أسباب، منها: أن الجنرال أوديرنو الذي أمضى معظم العقدين الماضيين في التعامل مع الصراع في العراق، يتحدث هنا بناء على خلفية تقوم على أُمْنِيَّةٍ أمريكيّة هي يقسم العراق، وقد يكون هذا هو الهدف الأساسي للاحتلال، ولنا هنا أن ندعم فكرتنا بما ذهب إليه المحلل السياسي  العراقي” فاضل الشماع” لـجريدة” الحياة اللندنية، ضمن تقرير إخباري أعدّه من بغداد” محمد التميمي”، وذلك حين قال:” إن فكرة تقسيم العراق ثلاث دول ليست بالجديدة في الطرح الامريكي ، فقد سبق لوزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، أن دعا في 2006 الى تقسيمه ثلاثة مكونات، ورجح أن يكون مصير العراق كمصير يوغوسلافيا السابقة.. وأن الدعوات الامريكي ومشروع بايدن الداعي إلى التقسيم على أساس عرقي وطائفي، مرهون بإنهاء الكٌتَل السياسية خلافاتها والاتجاه إلى بناء نظام سياسي خالٍ من الأزمات والتبعية الإقليمية”.

كما أن التصريحات المضادة تجاه دعوات  تقسيم العراق غير كافية، لأن كل المعطيات تشير إلى أن سيطرة   تنظيم  داعش على شمال وغرب العراق في العام المنصرم، الهدف منها تقسيم البلاد إلى مناطق للسنة وأخرى للشيعة وغيرها للأكراد، بل وإيجاد كانتونات مستقلة للأقليّات: مثل المسيحيين والتركمان والآيزيديين.. إلخ، خاصّة إذا سلمنا بتصريحات بعض القيادات الأمريكية، مثل: وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، ونائب الرئيس الأمريكي جون بايدن، بخصوص تنظيم داعش وظهوره في العراق وسوريا.

تقدير الجيش العراقي

 هنا علينا أن نثمّن المواقف الوطنية الثابتة لوزارة الدفاع العراقية، من ذلك اعتبارها تصريحات رئيس أركان الجيش الامريكي الجنرال رايموند أوديرنو:” خروجاً عن الإطار العام لعلاقات الصداقة والالتزامات المتبادلة بين البلدين، وأنها ناجمة عن عدم فهمه البنية السلوكية للشعب العراقي”، كما نقف ـ مقدّرين ـ أمام  دعوتها إلى” عدم تكرار مثل تلك التصريحات كونها تمثل خروجاً عن الإطار العام لعلاقات الصداقة والالتزامات المتبادلة بين العراق والولايات المتحدة، وتفتح أبواباً واسعة للضبابية وخلط الأوراق”.

غير أن تلك التصريحات من وزارة الدفاع لن تكون عمليّة ما لم تصحب رد فعل  ميداني على الأرض يجمع  كلَّ العراقيين حول مشروع وطني وحدوي، وتحقيق شعار” الجيش العراقي لكل العراقيين”، بعيدا عن كل نزعة طائفية، أومذهبية، أو عرقية، يحاول أصحابها أن يكونون بدائل عن سلطة الدولة العراقية، في حين أن كل العمليّات والنشاطات خارج السلطة الشرعية أثبتت فشلها، بل إنها مثّلت عبئاً إضافياً، وأرهقت الدولة بشرياًّ ومادياًّ ومعنوياًّ، وفتحت الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي في الشأن العراقي.

لن يركن العراقيون ومعهم العرب إلى موقف الخارجية الامريكية من تلك التصريحات، وتأكيدها على أنها لا تمثل موقف البيت الأبيض، وقولها:” إن ما صرح به رئيس هيئة الأركان في الجيش رايموند أوديرنو عن تقسيم العراق لتسوية النزاع فيه، لا يمثل موقف الولايات المتحدة بقدر ما يمثل موقفه الشخصي، وأن سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق ومستقبله هي عكس ذلك بالتأكيد، فنحن نسعى إلى ضمان وحدته وسنستمر بدعم الحكومة في بغداد برئاسة رئيس الوزراء العبادي، ونريد مساعدته وهو يواجه تحديات حقيقية كبرى داخل بلاده”.

الهرولة نحو” اللادولة”

مهما يكن فإن العراق لا يزال صامدا ومحافظا على وحدته الوطنية، ويدفع ثمنا بشريا وماديا وعُمرياً باهظا، لكن إلى متى سيظل على النحو السابق، وهو يعيش في زمن تغيير التضاريس وإعادة تشكيل الخرائط السياسية والجغرافية في الوطن العربي؟.العراق اليوم على مفترق طرق، وقد تمكّن من الصمود أكثر من الدول العربية الأخرى التي لم تواجه نفس مصيره، وخياره الوطني والقومي واضحا، وليس مُدْرَجاً بشكل دائم على أجندة الجامعة العربية، وسيُنْسى مع الأيام ليس لأنه غير مهم ولكن لكونه لا يمثّلُ أولوية اليوم لجهة التقسيم، سواء بالنسبة لمصالح الخارج ام لمواقف الدل المجاورة كما نلاحظ في سوريا وليبيا واليمن، حيث ترفع أعلام غابت في زمن الوحدة، لتعود اليوم في زمن التشتت والتقسيم، بل والهرولة نحو” اللادولة”.

 ورغم هذا الواقع المرير والمأساوي، فإن فشل التقسيم في العراق، مثّل عقبة لمشاريع التقسيم في الدول العربية الأخرى، وبما أن قوى الشر في الداخل والخارج قد ملّت من الانتظار، فهي تسوّقُ اليوم وبدعم من بعض الدول العربية بحيث يكون التقسيم شاملا لكل الدول المشتعلة اليوم، ليتمّ التفرّغ بعد ذلك للدول العربية الأخرى، شبه المستقرة، فإذا نجح التقسيم في العراق ـ لاقدّر الله ـ فذاك ما تبغي كل القوى الفاعلة في المنطقة، وإذا فشل فسيتركز اهتمامها على الدول الأخرى، ويبدو الأقرب إلى التقسيم إلى دولتين هو اليمن، ومن بعده سوريا، وما ليبيا عن ذلك ببعيد، إن استطاعت قوى الشر بأداتها داعش وأخواتها، وبأموال أنظمة عربية، ترى بقاءها مرهون بدعم التقسيم واحلال الفوضى.

{ كاتب وصحفي جزائري