شيوع ظاهرة توزيع الشهادات والدروع – مقالات – جواد غلوم

شيوع ظاهرة توزيع الشهادات والدروع – مقالات – جواد غلوم

شاعت في صفوفنا الادبية والفنية مؤخرا ظاهرة لم اجد اكثر منها نرجسية وهي انتشار  شهادات التقدير وتوزيعها بالجملة الى هذا وذاك دون اية اعتبارات ابداعية وصارت كل مؤسسة تسمي نفسها ادبية او فنية تطبع عشرات او مئات الاوراق وتلصق اسماء تشوبها العلاقات الشخصية والصداقات الفردية والمجاملات وحتى المنافع الذاتية ، مثل هذه الشخوص الخالية من الثراء الفكري تظهر امامنا وتكون غصبا عنا سواء رضينا ام لم نرضَ في عداد المبدعين المتفردين الذين لهم باع طويل في الشعر او القصّ او الرسم والنحت وغيرها

هذه الظاهرة الغريبة اخذت تتسع  بشكل خطير وكأن تلك المنظمات التي يمكن تسميتها بانها  جزء من المجتمع المدني نصّبت نفسها راعية للمبدعين واخذت تشتري من دكاكين القرطاسية قراطيس ويكتبون في متنها ما يشاءون لهذا الصديق او ذاك الكاتب المبتدئ عبارات تنمّ عن تقديرات للجهود الابداعية ولأشخاص يعدون في مصاف النكرات وغير المعروفة آثارهم الادبية والفنية وكأنهم مسكوا قصب السبق وصاروا بغمضة عين وحيدي زمانهم في نتاجهم الادبي او الفني

والاغرب ان تصاحب هذه الاحتفاءات كاميرات الآي باد وتلفونات الهاتف المحمول الذكية لصحبه وزمرته المصفقة له ليظهر امامنا بانه الشاعر الكبير والفنان الذي لا يضارع  والألمعي ذو الافق الواسع ولانظير له في الخلق والابداع والابتكار مما يذكرنا بما كان يوزعه الدكتاتور المقبور من انواط شجاعة وشرائط  على رهطه المطيع وحاشيته وعساكره وحماته من الضباط وغير الضباط

والمضحك ان تلك الشهادات تباع برخص التراب في اسواق القرطاسية ويزاد عليها قلائد من النحاس او الزجاج التي يطلق عليها قلائد الابداع اضافة الى دروع مصنوعة من الخشب او المعادن البخسة الثمن تباع بالجملة ليشتريها القائمون على ترتيب احتفاءات ولقاءات فنية او ادبية وتوزع وفق الامزجة والرغائب الشخصية لمن لايعرف طرق الابداع ومسالكه الوعرة دون اي اعتبار للقيم الفنية او مظاهر التميّز في النتاج الفني

اما كان من الاجدر ان تقوم تلك الجهات التي توزع الشهادات والدروع بشكل اعتباطي وغير مدروس بان تقوم بطباعة نتاجات الكتّاب والشعراء المبدعين المعوزين ماديا لو كانت جادة فعلا في نشر الثقافة الثرية الرصينة او عرض لوحات الفنانين في معارض او كاليريهات ليراها المعنيون الباحثون على الجمال الفني والادبي بدلا من اغراقنا بصور لاتغني فقيرا الى الوعي والتثقيف ولاتروي ضامئا الى المعرفة وملء العقل بالرواء الفكري فليس بهذه التظاهرات الغثّة تشاع الثقافة وترمم الاذهان وعيا وعلما وادبا.