شخصيات متعددة الأصوات في روايات لميس كاظم


د. زهير ياسين شليبه

 

 

 

 

 

لميس كاظم “روائي عراقي سويدي مغترب كتبَ عن هموم العراقيين والمغتربين والمرأة والطفولة والدمج الاجتماعي، فكرّسَ لها عدة روايات طويلة!.

ولا بدّ لي هنا من الإشارة إلى بعض جوانب شخصية الصديق الروائي د. لميس كاظم، ومن أهمها تجاربه الحياتية في العراق وخارجه: لبنان، موسكو، السويد! وعلينا أن نشدد هنا على أهميّة خلفيته العلمية الأكاديمية في دراسة الهندسة في جامعة الموصل الكائنة في مدينة نينوى الحضارات، حيث أتيحت له فرصة التعرف إلى زملاء عراقيين من مختلف مناطق العراق المتعدد والمتنوع، فضلاً عن حصوله على الدكتوراه في الهندسة في موسكو. كلّ هذا وسّعَ نظرته إلى العراق والعالم من عدة زوايا، وتعمّقَ اطّلاعه على شرائح المجتمع المختلفة، وطرق تعامل الناس فيما بينهم، في المناطق الشعبية والمتوسطة! إضافة إلى ذلك، لا بدّ من الإشارة أيضاً إلى عمله في مجال اندماج العراقيين في المجتمع السويدي، الذي ُتوّج بإصداره كتابه الأخير “اندماج العراقيين في المجتمع السويدي بين الأنين والحنين” باللغتين السويدية والعربية.

يعكس هذا الكتاب الاجتماعي بامتياز خبرةَ عمل د. لميس مع المغتربين في السويد، ولهذا تمت ترجمته إلى اللغة السويدية، ويشكّل إضافةً جوهرية في نتاجاته وتجاربه الشخصية التي ستنعكس بالتأكيد في أعماله اللاحقة.
كان الدكتور لميس يقرأ الروايات الأجنبية والعربية ويتحدث عنها بشغف ويبدي اهتماماً كبيراً بها قبل إصداره روايته “الجسد المر”، وبعدها، وكتب مقالاتٍ بالذات بعد الاحتلال الأمريكي لبلده العراق، وانفتاحه على العالم! وأنا أتذكر أني اشرتُ إلى بعض هذه الجوانب في حفل استقبال إصدار روايته البكر “الجسد المر” في مدينة مالمو السويدية قبل عقدين ونيّف من السنين.

أهم أعماله الروائية:

تركت روايته الأولى، الجسد المر، بعد قراءتي لها آنئذ، لديّ انطباعاً عبّرتُ عنه بأن خلفية الكاتب الأكاديمية، بالذات كمهندس، تركت أثراً خاصا في بنيتها وحبكتها، وقد قلت له ذلك إضافة إلى أمور أخرى أيضاً كنا نتداولها في جلساتنا الشخصية! وبالتأكيد أن الأعمال الأدبية الأولى عند أغلب الأدباء لها خصوصيتها وجوانب تطورها.

وهكذا استطاع الكاتب لميس الاستمرار في مخر عباب بحر الرواية الهائج بأعمال كثيرة للغاية في هذه الفترة لم تَعُد حصراً على نوع معيّن من الكتّاب، فأصدر نتاجات روائية طويلة، أذكر هنا أهمها بعد “الجسد المر”، قناديل مطفأة، عقيق النوارس، (تم إعدادها كعمل تلفزيوني بحسب مركز الاتحاد للأخبار) وهمس الغرام، وأخيراً نتاجه المتميز، بالذات من حيث المضمون والشخصيات المتعددة الأصوات البوليفونية “المارِدة والصبايا”.

وأحاول هنا أن ألخص بعض الأفكار حول رواية “المارِدة والصبايا” المتميزة بتناولها لموضوعات تمس المغتربين والمغتربات في المجتمع السويدي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنها تعكس تطورا في جوانب تجربة الكاتب الإبداعية. تدور أحداث هذه الرواية في مكان رسمي (مركز تأهيلي للفتيات)، لتعويض ما فقدته الفتيات من تربية والتزام بالضوابط ورعاية إنسانية وحنان، لكن بعد فوات الأوان، فمظاهر العنف والإساءات المتعددة الأشكال في الطفولة يصعب، إن لم نقل يستحيل التخلص منها لقسوتها. وغالباً ما تبقى آثار اضطراب الشخصية والصدمات كامنةً في النفس البشرية، لا سيما وأن الروائي يصورهن في مجتمع يتيح حرياتٍ واسعةً للفرد، لكن ضمن ضوابطَ غالبا ما يخفق الالتزام بها كثيرٌ من المراهقين.

تعتمد بنية الرواية في معمارها على تسعة أعمدة موزعة بالضبط على عدد شخصياتها. يسمع المتلقي على لسان كل واحدة منهن قصة حياتها وكأننا شهود عيان، على إساءات في سردية تذكّرنا بألف ليلة وليلة!

وهذا ما يمكن لنا أن نراه في السرد والحبكة والمضامين وبنائها واللغة التي أخذت تتجه إلى مناحٍ سردية أرحَب يمكن للمتلقي أن يلاحظها في تطور الخبرة المكتسبة!

وهو الأسلوب البوليفوني (تعدد الأصوات) ذاته الذي استخدمه الأميركي وليم فوكنر في “الصخب والعنف”، والمصري فتحي غانم في “الرجل الذي فقد ظله” وعبد الرحمن منيف، مع اختلاف الأساليب. إننا هنا أمام عمل يختلف تقريبا عن نتاجاته السابقة من حيث كونه يستمد موضوعاتِه من المجتمع السويدي، ويخاطب المتلقين فيه، مع التركيز على واقع المغتربين أو “السويديين الجدد” من أجيال اللاجئين القادمين من مختلف أصقاع العالم والمنحدرين من شتى الخلفيات الثقافية والإثنية والدينية الجغرافية، ولهذا تصلح لنقلها على خشبة المسرح، وأن تكون فيلماً سينمائياً أو تلفزيونياً.

هنا بالضبط، تكمن أهمية “الماردة والصبايا”! وهو خير جواب على سؤال: ما الذي جعلني اكتب عنها؟ طرحته على نفسي كقارئ، فلاحظتُ فيها التركيز على موضوعة اجتماعية أدركتُ ضرورتَها وحداثتَها.

و”الماردة والصبايا” روايته الخامسة، تجسّد بالتأكيد تطورَ كاتبها لميس كاظِم وخبرتَه في الكتابة ليس من حيث الحبكة والمضمون فحسب، بل واللغة أيضاً، إذ دونها لا يمكن أن يُكتب النجاح لأي عمل أدبي.

“المارِدة والصبايا” رواية مكرسة لموضوعات مستمدة من واقع حياة مراهقات غير بالغات وغير سويّات أو “عاقلات” حتى وإن بلغن سن الرُشد. إنّهنّ غير مستقرات لتعرضهنّ لمختلف إساءات التعامل في عائلاتهنّ منذ طفولتهنّ، وصعوبة اندماجهنّ في المجتمع الجديد عليهن بسبب خلفياتهن الاجتماعية والثقافية المختلفة عن المجتمع الكبير الذي ولدن فيه أو انتقلن إليه مع أباءهنّ وأمهاتهن كلاجئين ولاجئات. إضافةً إلى ذلك فإنهنّ يعانِينَ من أمراض نفسية عصيبة مثل: اضطراب الشخصية والرُهاب والكآبة والتراوما والصدمة وما بعدها، وعدم الثقة بالنفس والشعور بضعف الإحساس بقيمتهن الشخصية والشعور بالنقص، وأعراض نفسية أخرى تؤثر على سلوكهن اليومي!

إنها رواية كتبها مؤلف على درايةٍ بموضوعها، تتناول التفكك الأسري والانحراف، وضرورة تقديم الرعاية اللازمة للأطفال منذ صغرهم ودمجهم في المجتمع ليقفوا على أرجلهم عند كبرهم وإثبات الذات في أماكن العمل. كل هذا يطّلع عليه القارئ من خلال قصص فتيات يقمن في مركز تأهيلي بعيداً عن أباءهن وأمّهاتهن يواجهن تحدّيات شخصية كبيرة جدا، فيحدث خلل التصرفات الشخصية والوقوع في فخاخ الإدمان بكلّ أنواعه والجرائم وأمراض المجتمع الأخرى.

كل هذه الأعراض والسلوك المنفلت يصورها الروائي لميس في 378 صفحة من خلال فصول مكرّسة لشخصيات روايته الفتيات: مارتا، سعيدة، هدى، حفيظة، آمال، لاورا، أماندا، كاميليا وزهره. لكل واحدة من الفتيات “سيمفونيتها” الخاصة بها، قصة حياتها تسردها كنوع من البوح يحسُّ المتلقي بشظاياه تتناثر عليه فيحترق بها ويتعاطف معهن ويقف الى جانبهن متعاطفاً معهن، متمنيا إعانتهن، وبهذا تكون رسالة الرواية وفكرتها قد وصلت إلى القارئ والمجتمع والمتخصصين!

“الماردة والصبايا” رواية مهمة لكل أب وأم، مكرّسة لمراهقات حرمنَ من الحنان وعانينَ من سوء معاملة العائلة والأهل والظروف! سلوكهنّ المنفلت وهفواتهنّ الكبيرة ماهي إلّا ردود أفعالٍ طلباً للعون، لكن لا حياة لمن تنادي!

بطلات الرواية: مراهقات يصرخنَ لتعرّضهنَّ إلى إساءاتٍ كبيرةٍ، لكن لا أحد يسمع صراخهنّ من أجل الحنان، وبقينَ فريسةً لقسوة المجتمع والخذلان، والغياب والفقدان!