
سعد البزاز.. كبير بإمتياز
– هارون محمد
قبل خمس وأربعين سنة، أقبل علينا، ونحن في حلقة زملاء وأصدقاء، اتخذنا زاوية في حدائق نادي الاعلام، الملاصق لوكالة الانباء العراقية (واع) على شارع أبو نواس، شاب أنيق الملبس، رقيق الملمس، صافحنا وسلم علينا، قبل ان ينكب على رأس حارث طاقة، رحمه الله، يُقبله بود وحنان، وعرفنا انه سعد البزاز.
ودارت الايام ومضت أكثر من خمسة أعوام، والتقينا من جديد، ولكن في مناسبة حزينة، في جامع أبو حنيفة النعمان، ونحن نشيع خاله الجميل وزميلنا النبيل، حارث، الذي استشهد مع معاونته، بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني، ودبلوماسيين آخرين، في الحادث الاجرامي، الذي استهدف السفارة العراقية في بيروت، فقد جاء على عجل، من مقر عمله اللندني، ليشارك في حمل النعش الطاهر، ووجهه يكاد ينفجر من الاحتقان، لوعة وأسى، على رحيل أبي شيبان.
وانهى مهمته في عاصمة الانكليز، وعاد الى الوطن، وبعد حين، عُين مديراً عاماً للدار الوطنية، وكانت باكورة نجاحه فيها، اقامة معرض الشرق للكتاب، الذي ضاقت، منشئات وأجنحة وصالات، معرض بغداد الدولي، بما ضم من كتب ومطبوعات، وأذكر له موقفاً، جمع بين الجرأة والحس الانساني، عندما استقبل الدكتور عزة مصطفى، الوزير والقطب البعثي السابق، بحفاوة وألفة، وكان الرجل مُبعداً، ومغضوباً عليه، وقد جاء كسائر الناس، يقتني كتباً، علمية وطبية وسياسية وتأريخية، صارت حمولة (بيك آب)، ورفض أبو الطيب ان يدفع الدكتور، أثمان ما اشتراه، وسمعته يقول له : انت استاذنا، وعزيز علينا، وهذا قليل منا.
وتجددت لقاءاتنا في عمان، وقضينا فيها، أربع سنوات، كانت مليئة بالوجع، قبل ان يشد الرحال الى لندن، وألحقه بعد شهور.
وتزاملنا في (الزمان) في لندن، هو رئيس التحرير، وانا مدير تحريرها، وأقمنا تحت خيمتها، مرحلة شهدت، مُنغصات ومسرّات، وفيها اشتبكنا، في تفاهمات واختلافات، في الرؤى والتوجهات، وقد غادرتها، بعد ان شبّت، وأصبح لها، اسم وصيت، واصطفت الى جانب زميلاتها (القدس العربي والحياة والشرق الاوسط والعرب) وكن الرائدات في المهجر.
سعد البزاز الصحفي، قد تختلف معه، في الرأي والمنهج والخطاب، وربما تُخاصمه، ولكنه لا يقطع الصلة بك، ويظل يسأل عنك، يتتبع أخبارك، ويتابع مقالاتك، وبعضها ربما تشاكسه، أو تنتقده، وعندما يلقاك، يكون هو المبادر بالتحية والسلام، وكأن ما جري بينكما، في سابق الاوقات، مضى وانقضى، برغم انه لا ينسى، ولكنه لا يضمر بُغضاً، وفي قلبه حب لا ينضب، واحترام للآخر، له يُحسب.
وكثيرة هي الشائعات التي تناولت سعداً، ولكنه تدرب، على ان يكون أكبر منها، لا يأبه بها، ولا يلتفت اليها، وفي كثير من الاحيان، يضحك عليها، فهو ليس من النوع الذي تهزّه التقولات، ولا يهتم بالافتراءات، خصوصاً تلك التي تصدر، من منزوعي المروءات، وممتهني التشهير والاساءات.
























