خيارات العبادي‮ ‬الصعبة – مقالات – خضر عواد الخزاعي

خيارات العبادي الصعبة – مقالات – خضر عواد الخزاعي

أخيراً دخلت مشكلة العراق مع الفساد والفاسدين منعطفاً جديد مع دخول المرجعية الدينية على خط الأزمة بين مؤسسة الحكم التي تمثلها أحزاب ومافيات السلطة الفاسدة وبين الجماهير الغاضبة التي خرجت للمرة الثانية في 7آب في ساحة التحرير وتحت نصب الحرية لخالد الذكر الفنان جواد سليم، ويبدو أن محاولة استدراج العراق إلى حافة الهاوية واسقاطه نهائيا من خلال محاصرته وضربه من جانبين مهمين في كيانه الوطني وهما الجانب العسكري والأمني من جهة مع استفحال قوة الإرهاب المتمثلة في تنظيم داعش الإرهابي يقابله عجز شبه تام لقوات التحالف الدولي والقوات المسلحة العراقية وفساد إداري من جهة أخرى لم يسبق له مثيل في تأريخ العراق السياسي الحديث والمعاصر، تقوده رموز متنفذة في الطبقة السياسية وتشكيلة الوزارة الحالية التي يترأسها السيد حيدر العبادي، هذه الرموز استغلت الظرف السيء العام الذي يمر به العراق في الوقت الراهن مع تكالب قوى الشر والإرهاب واختراقها لكل منظومات الدولة الأمنية وفرض نفوذها وتحقيق ضرباتها في أي وقت ومكان تختاره بالإضافة لما وفرته لها قياداتها المدنية السياسية والدينية من غطاء شرعي لهذه السرقات التي تذهب بعيدا عن مصلحة الشعب وتسهم في اعادة بناء العراق حتى تحولت تلك الرموز الى مراكز قوى واستقطاب مهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي العراقي ومؤثرة في مستقبله بدرجة كبيرة. إن ماحدث هو هذا التدخل المباشر والمتوقع من قبل المرجعية الدينية بعد أن وصلت الأوضاع الى مفترق طريق بين الشارع العراقي ومؤسسة الحكم، حيث التصعيد الجماهيري والذي ربما يتحول الى عصيان مدني لو استمر صمت الحكومة ورئيسها العبادي ، الذي يبدو وكأنه لاحول له ولا قوة مع ملاحظة الظروف التي استؤزر بها العبادي  وشكل بها حكومته سيئة الصيت، فالرجل جيء به ليشكل حكومة ترضية لكل الأطراف السياسية المتجاذبة والتي سئمت من الحكومتين السابقتين للسيد المالكي وما خلفته من مشاكل وتفاقم للأزمات ليس اسوئها الحملة البشعة التي قادتها التنظيمات الإرهابية لزعزعة استقرار العراق واقتطاع أجزاء مهمة من أراضيه والتسبب في أزمة كبيرة وموجة عنيفة من القتل والتهجير والابادة منذ حزيران 2014  وإلى الان، لكن تدخل المرجعية جاء في وقته المناسب وكان تدخلها ومن خلال قراءة التفاصيل التي تطرقت اليها وكأنها تدخلت وبصورة غير مباشرة بوضع الحلول لكل المشاكل التي يعاني منها العراق اليوم، والتي يبدو ان العبادي  غير قادر على حلها أو حتى التصريح المباشر بأسبابها، ومنها: أن يتحلى بالجرأة والشجاعة ويتجاوز الحلول الضيقة والترقيعية – أن يضرب بيد من حديد على يد الفاسدين – أن يسمي الجهات التي تقف وراء تعطيل مشروعه الإصلاحي بالأسماء وبفضحهم أمام الشعب العراقي – ان يزيح كل الفاسدين من كابينته الحكومية أو مؤسسات الدولة ودوائرها المهمة مهما كانت الجهة التي تقف ورائهم وتدعمهم – أن يعين وزراء من خارج منظومة أحزاب السلطة الفاسدة يتوسم فيهم الكفاءة والاخلاص الوطني. إذاً العبادي أصبح منذ نهار الجمعة 7 آب وحده من يتحمل المسؤولية المباشرة في قيادة الدولة ومشروع إصلاح البلاد مع هذا التفويض الذي منح له من أعلى جهة دينية لها وزنها المؤثر في الشارع العراقي، فهل سيكون العبادي بمستوى اللحظة التأريخية التي تهيأت له؟ أولاً يجب ملاحظة أن هذا التفويض سلاح ذو حدين فهو دعم مباشر للسيد العبادي من جهة من خلال الطريقة التي كتب فيها الخطاب وكذلك طريقة المخاطبة المباشرة والرسمية، وتقديم الدعم الذي لم يحظى به أي مسؤول سياسي سابق في الحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ 2003  وحتى قبل هذا التأريخ، ومن جهة أخرى وضع هذا التفويض العبادي  في الدائرة الضيقة وفي وقت شديد الحساسية وعليه أن يختار بين أن يقف مع الشعب الغاضب الذي سوف لن يتوقف عن تظاهراته واحتجاجه بعد أن توافرت له بعض القيادات الشابة والثورية المثقفة في مجالات الفن والاعلام والأدب، وبين أن يبقى متمسكا بتحالفاته الحزبية المشبوهة والتي لن يكون معها أي اصلاح أو مشروع لانتشال العراق مما هو فيه بل تعميق لمشاكله وزيادة في سرقة ثرواته وتقاسمها، ان العبادي اليوم في موقف لا يُحسد عليه مع ضغط الوقت وحجم المشاكل التي تحيط بالحكومة واستشراء قوة الفاسدين مع تبوئهم لأهم المراكز الحساسة في الدولة في مجلس الوزراء والبرلمان ورئاسة الدولة، ان من يطالع المشهد السياسي العراقي من الخارج سيلاحظ حجم الكارثة التي تحيط بالعراق وما أوصلته اليه الطبقة السياسية الحاكمة بكل تنوعاتها الطائفية والعرقية والأثنية والتي اصرت على الاستمرار بنفس المنهج والاداء في ممارسة الحكم وتقاسم السلطة دون الالتفات الى مصالح العراق والعراقيين بل جعلت مصالحها الحزبية والطائفية الضيقة محط اهتمامها وعملت من اجل ذلك على تحشيد كل امكانياتها المادية والتعبوية في خدمة مشروعها الرجعي ولم تتوقف عن ذلك، كذلك سيلاحظ المتابع للشأن العراقي ان العبادي  لم يكن رجل المرحلة المعوّل عليه فلقد كان الرجل جزءاً مهماً وحيويا من ماكنة السلطة خلال السنوات الماضية وعليه الكثير من المؤشرات السلبية كونه كان وحتى قبل وقت قصير من تسميته رئيسا للوزراء من أقرب المقربين لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي وهذه لوحدها تضع عليه أكثر من علامة استفهام وشك في مدى صدق نياته وقدرته على الخوض والتصدي لمثل هكذا مسائل حساسة وشائكة في الملف العراقي البالغ التعقيد، وهو لم يفعل أكثر مما فعله سلفه السابق المالكي حيث جاء بنفس الوجوه القديمة ولم يفعل أكثر من تغير الأماكن لكل شخص اختارته له الأحزاب المتنفذة بل أن هذه الأحزاب قد فرضت عليه ومن باب المشاركة وتسهيل مهمته في إدارة الدولة أن جعلت الرؤوس الكبيرة للأحزاب هي من تتصدى للمراكز المهمة في الحكومة مثل القياديين في المجلس الأعلى الاسلامي وزير النفط عادل عبدالمهدي ووزير النقل والمواصلات باقر جبر صولاغ، ورئيس التحالف الوطني وزير الخارجية ابراهيم الجعفري، والقيادي في التيار الصدري نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة بهاء الأعرجي. ورئيس جبهة الحوار الوطني النائب الثاني لرئيس الوزراء لشؤون الخدمات صالح المطلك، والقياديين في الحزب الديمقراطي الكردستاني نائب رئيس الوزراء روز نوري شاويس، ووزير المالية هوشيار زيباري، وكلهم يعتبرون من رموز الفساد في العراق خلال السنوات الماضية واستطاعوا أن يستحوذوا على الثروات الطائلة والعقارات الكبيرة من ملكية العراق خلال وقت قصير وبطرق غير مشروعه تحت غطاء القوانين الجائرة وغير الشرعية والأخلاقية التي شــــُرعت تحت قبة البرلمان، لذلك سيكون من الصعب إذا لم يكن من المستحيل على العبادي  تحدي هذه الكتل والرموز ثقيلة العيار ومن يقف وراءها من قيادات سياسية ودينية تحظى بتأييد لا يستهان به من قبل شريحة كبيرة من الشارع العراقي، ليس من شـــك ان المهمة ستكون معقــــدة وخيارات العبادي  قليلة وفرصه في النجاح ضيقة إذا لم تكن معدومة، لكنها فرصة كبيرة وقد قدمت له على طبق من ذهب، فإما أن يقف إلى جانب الشعب ويدير ظهره لأحزاب ومافيات السلطة الفاسدة ويستثمرها بطريقة سريعة وخاطفة ويضرب بيد من حديد على يد الفاسدين والمتلاعبين بمستقبل العراق كما ارادت منه المرجعية والشارع العراقي قبل أن تلتقط تلك الأحزاب انفاسها من وقع المفاجأة التي ربما لم تكن تتوقعها من المرجعية الدينية، أو انه يخلي الساحة لغيره ويقدم استقالته وبذلك فانه يطلق رصاصة الرحمة على كل مستقبله وتأريخه السياسي والأخلاقي، ولن يكون له الخيار بالانحياز الى جوقة الفاسدين فالوقت أصبح ضيق جداً والشعب الذي صبر لسنوات لم يعد بمقدوره الصبر والتحمل لفترة أطول مع ازدياد زخم الاحتـــجاجات والتظاهرات لتعم كل محافظات العراق، وربما تتحول في الأيام القادمة إلى عصيان مدني بعد التعـــاطف والدعم الذي حصلت عليه مطـــــالبها المشروعة من قبل المرجــــعية الدينية التي تكن لها كل الاحترام، الكرة الان في ســــاحة العبادي  وهو وحده دون غيره من سيقرر ما سيفعله في الساعات والأيام القليلة القادمة والكل سينتظر ما ستفرزه تلك الساعات والأيام.