خنساء الضلوعية – مقالات – ثامر مراد
حينما يتحدث التاريخ عن بطولات الرجال في كل الميادين لانستغرب ذلك لأن بطولات الرجال توزعت على طول الحقبة التاريخية الممتدة منذ بدء الخليقة حتى هذه اللحظة. طالعنا في كتب التاريخ ونحن في مراحلنا التعليمية عن قادة عظام وبطولات فردية لأفراد سطروا أسماءهم بأحرف من ذهب في جميع – مطاحن الحرب- سواء كانت تلك البطولة في جانبنا أم في جانب الجهةِ ألأخرى . البطولة هي البطولة حينما نتحدث عنها . من خلال تاريخنا الحديث وفي هذا الزمن بالذات حيث يمر العراق بأشرس مرحلة تاريخية حدثت مواقف بطولية لأبناء البلد في كل جزءٍ من أجزائهِ من الجنوب الى الشمال ومن الشرق الى الغرب. تحدثنا في مناسبات سابقة عن بطولات عدد من رجال الضلوعية وكيف كانوا يسهرون ليلاً ونهاراً من أجل الدفاع عن ألأرض الطيبة التي غذتهم منذ لحظة الولادة حتى الساعات ألأخيرة قبل أن يلفظوا أنفاسهم دفاعاً عنها. رقدت أجساد الشباب والشيب في بقعة مقدسة أطلقنا عليها عبارة- حماة الديار- . كلما أقرأ كلمة عن أرض الضلوعية أشعر أن جسدي يرتعش وتتهاوى دموعي بلا توقف كمن اصابته قشعريرة الموت. لم أعد أستغرب حينما أسمع عن بطولة فردية لرجل من رجال الضلوعية فجميعهم أبطال ولم يتأخر شخص واحد منهم عن الدفاع بدمهِ عن أمهِ – أرض الضلوعية-. كلهم أبناء بررة. لكن حينما يتحدث تاريخ – المطاحن الحربية في الضلوعية- عن سيدة من سيدات تلك ألأرض فهذا شيء لم يدخل ضمن سلسلة كتاباتي حتى هذه اللحظة. إسمها- مؤودة – هي سيدة جمعت بين الشجاعة والعفة ومكارم ألأخلاق . منذ أن كانت في المدرسة ألأبتدائية لاحظ الجميع أنها تتميز بشجاعة تختلف عن بقية الطالبات في تلك المرحلة. كانت ” سبعة ” كما نقول في اللغة العامية أو الدارجة والسبعة تعني اشياء كثيرة في لغتنا المحلية – تعني الشجاعة والذكاء والفطنة وكل الصفات الحميدة -. حينما شبت عن الطوق وتحولت الى فتاة إقترنت بشريفٍ من اشراف القوم ينتمي الى نفس ألأرض الطيبة. كانت تخرج الى بستانهم تحمل بندقيتها وتغني للأرض ألحان الود والمحبة وألأخلاص. تعلمت إطلاق الرصاص كهاوية من هواة الصيد. ربة بيت من الدرجة ألأولى وأم حنون لعدد من ألأولاد والبنات. كانت حياتها نعيمٌ لاينتهي وهي تعيش في تلك ألأرض الطيبة.
يوماً ما وبلاتوقع راحت الغربان السود والوحوش الكاسرة تزحف على تلك ألأرض تعبث بكل شيء على شاكلة المغول التتر حينما دمروا مدن العراق في حقبةٍ زمنية سحيقة. قبل مجيء الوحوش الكاسرة كان شريك حياتها قد فارقها الى ألأبد وإنتقل الى جوار ربه . كانت ” تلتزم بالعدة الشرعية حسب قانون الله عز وجل” حيث تبقى المرأة حبيسة البيت لحين إنتهاء المدة المقررة . صرخت أن عدتها ستكون على السواتر القتالية مع ألأشقاء وألأبناء للدفاع عن ألأرض المهددة بالضياع وتدمير كل شيء جميل. دفعت أبناءها للقتال مع الرجال وزودتهم بكل تعابير الشجاعة والحماسة وعدم الأنهزام حتى الموت. وسقط ولدها ألأول على ألأرض يرفد المساحات الخضر بدماء أحيت بقية المزروعات . لم تذرف دمعة واحدة فالزمن العصيب لايترك مجالاً لذرف الدموع. ألأرض أثمن من كل ألأبناء وألأشقاء وساعات الدمار تزحف بلا رحمة تحرق كل شيء. طارت روح ” سلوان” ولدها الى السماء تحكي قصة بطلٍ يدافع عن ألأرض. بعد فترة سقط ولدها الثاني ” رياض” مخضباً بجراحه ينزف على أغصان ألأشجار ومساحات القمح التي ليس لها نهاية. نظرت ذات اليمين وذات الشمال تبحث عن ولدٍ آخر تدفعهُ للقتال قرب الساتر مع الرجال ألأبطال المنشغلين طوال الليل والنهار يرسلون زغاريد رصاصهم في كل ألأتجاهات بلا ماء أو ســـــــــــندٍ أو قطــــعة خبز . راحت تطبخ الطعام وتحضر الماء البارد وتركض نحو الساتر تمنح الرجال المنشغلين بألحان الموت تدفع لهم الطعام والماء وتصرخ بأعلى صوتها تشحذ في روحهم كل علامة من علامات البطولة والصمود ” …. أهل الراية السودة يخسون ما يطبون الضلوعية ” . كانت كلماتها تشبة الرصاص المنطلق من بنادق الرجال. كانت أجساد الرجال ترتعش – من شدة ألأنفعال والحماس وراحوا يصرخون ” لاتخافي أيتها الأخت المقدسة سنحيلهم الى رماد ..لن يمروا إلا على أجسادنا” . كانت تزغرد بأعلى صوتها تحيل معنوياتهم الى براكين لاتخمد على طول ساعات الموت ودخان البنادق. كانت تعادل كل قنوات التلفزة بكل ملاكاتها وماكناتها الدعائية. لم تتوقف عند هذا الحد بعدها تعود راكضة الى بيتها وتحمل رشاشتها ألأوتوماتيكة وتستقل سيارة وتطلق رصاصات بندقيتها في كل الاتجاهات. قررت الموت بشرف على تلك ألأرض. كانت تصرخ بأعلى صوتها تحفز الرجال على تدمير جميع الغربان السود” …لاتدعوهم يقتربون ..أبيدوهم جميعاً..موتوا هنا كي لايقتربوا من النساء والبنات.. سيمزقون شرفنا جميعا إن سيطروا على ألأرض..الموت هنا أفضل آلاف المرات ..لنموت جميعاً بشرف” . كانت لاتعرف الخوف مطلقاً. كتلة أنثوية من شجاعة ليس لها مثيل. كانت تخرج في بعض ألأحيان مع شقيقتها ” سعدية” للقتال . قررت في داخلها أن تقتل نفسها وشقيقتها قبل أن يقعا في ألأسر – لاسامح الله-. تساقط الرجال وإستقروا في تربة – حماة الديار- تعرفهم جميعاً هي أمهم وأختهم وإبنتهم. تمنت أن تذرف الدموع إلا أن حجم القضية أكبر من أن تذرف دمعة واحدة. إختفت الغربان السوداء وعادت مع بقية الرجال تسير في دروب الضلوعية تنشد معهم لحن ألأنتصار تطلق زغاريد الفرح وتغني للعذارى كلمات النخوة وحب ألأرض وكان ذلك العرس الكبير.
من قال أن المرأة اضعف من الرجل؟ من قال أن المرأة ناقصة دين؟ من قال أن النساء ليس لهن قيمة سوى ألأنجاب ورعاية البيت؟ من قال أن المرأة لاتستطيع أن تفعل شيئاً في ساحات الوغى؟ من قال أن المرأة لاتستحق كل ألأهتمام؟ المرأة هي أعظم هدية وهبها الخالق للرجل. المرأة هي مصدر قوة الرجل وإنتصارهِ في كل الميادين. ألف تحية لخنساء الضلوعية . من التي دافعت عن ألأرض – مؤودة- أم نساء البرلمان اللواتي يظهرن في المحطات الفضائية يصرخن كل واحدة تريد أن تظهرمدى جبروتها في الكلام الوهمي الذي لم يقدم للشعب أي شيء سوى الحرمان والتصريحات المرعبة التي تزيد آلام الفقراء . لو كنتُ ميسوراً لصنعت لمؤودة تمثالاَ من ذهب في مدخل الضلوعية وهي تحمل رشاشتها كي تكون درساً يرمز للصمود والتضحية لمئات ألأجيال القادمة.

















