
بغداد – بيروت – الزمان
تلوح ملامح ارتياح بين دول الجوار السوري والخليج العربي بعد الكشف عن مصانع الكبتاغون في سوريا، والتي كانت تدار مباشرة من قبل أجهزة تابعة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه.
هذه المصانع، التي أشرف عليها شقيقه ماهر الأسد، أصبحت مصدرًا رئيسيًا لتصدير المخدرات إلى دول الجوار، في محاولة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية على حساب استقرار هذه الدول.
ومنذ الانهيار السريع لحكم بشار الأسد، عُثر في مناطق مختلفة من سوريا على كميات كبيرة من أقراص الكبتاغون المكدّسة في مستودعات أو قواعد عسكرية، لتؤكد صحة التقارير حول دور سوريا في صناعة هذه المادة المخدرة المحظورة وتصديرها الى العالم.
الأردن ولبنان والعراق والخليج كانوا في طليعة البلدان المستهدفة بعمليات التهريب، حيث استخدمت طرق تهريب منظمة لنقل الكبتاغون عبر الحدود، ما أثار قلقًا متزايدًا لدى حكومات هذه الدول.
وحاولت دول الجوار، عبر مفاوضات مباشرة مع بشار الأسد، الضغط عليه لوقف هذه الأنشطة، إلا أن النظام استغل هذه المحادثات لشراء الوقت ومحاولة تحقيق مكاسب سياسية، دون أن يقدم التزامات جدية لإنهاء الأزمة. السعودية، من جانبها، كانت الهدف الأبرز لنظام الأسد في عمليات التهريب. تشير تقارير عديدة إلى أن المملكة تعرضت لمحاولات منظمة لإغراق سوقها بالكبتاغون، ما دفعها لاتخاذ إجراءات صارمة على مستوى الحدود والتنسيق الأمني مع الدول المجاورة لوقف تدفق هذه المخدرات.
واستولى مقاتلو المعارضة السورية على قواعد عسكرية ومراكز توزيع منشطات يدخل في تركيبها الأمفيتامين غمرت السوق السوداء في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وكان ماهر الأسد قائدا عسكريا وشقيق رئيس النظام المخلوع، ويُتهم على نطاق واسع بأنه المسؤول عن تجارة الكبتاغون المربحة.
أما عضو مجلس الشعب سابقا عامر خيتي ففرضت عليه الحكومة البريطانية عقوبات وقالت إنه يسيطر على العديد من الشركات في سوريا التي تسهل إنتاج وتهريب المخدرات .
ومع سقوط نظام بشار الأسد، فان المرجح ان يشهد العالم، لا سيما دول الجوار، انفراجاً كبيراً مع توقف «سلاسل إمداد الكبتاغون الأسدية» التي كانت تُعتبر من أخطر شبكات التهريب في المنطقة، ففي ظل نظام الأسد كانت سوريا المصنع الأكبر للكبتاغون في العالم، وبسقوط نظام الأسد، فان المرجح هو تغييرات جذرية تجارة المخدرات بعد سنوات من توغل هذه التجارة غير المشروعة التي ألقت بظلالها على الأمن والاستقرار في المنطقة. وفي حين لم ترد وزارة الداخلية العراقية، على اتصالات صحيفة الزمان، بشأن الوضع الحالي المتعلق بالمخدرات بعد سقوط النظام السوري، الا ان مدير إعلام وزارة الداخلية العراقية، خالد المحنا، قال في حديث متلفز، أن العراق يتلقى اتصالات يومية من دول الجوار حول التعاون في مكافحة المخدرات والحد من انتشارها. . وأشار إلى أن تجار المخدرات في العراق يعملون ضمن شبكات منظمة ترتبط بمافيات دولية تسعى لتحقيق ثروات سريعة على حساب استقرار البلدان وصحة شعوبها. وقال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي لـ الزمان إن العالم يتخلص أخيراً من «سلاسل إمداد الكبتاغون الأسدية»، مشيراً إلى أن سوريا لم تعد أكبر مصنع للكبتاغون في العالم بعد سقوط الأسد، لكنه أعرب عن قلقه من احتمال انتقال هذه الصناعة إلى دولة أخرى، قائلاً: «هناك مخاوف جدية من أن تستغل أطراف عراقية هذا الفراغ لبدء إنتاج الكبتاغون داخل العراق واستهداف دول الخليج والعالم».
وأضاف الهاشمي أن سلاسل إنتاج ونقل واستهلاك المواد المخدرة، التي كانت تنطلق من سوريا ولبنان باتجاه الخليج والعراق والأردن، تم كسرها وتحييدها بعد إيقاف التهريب عبر الحدود السورية ووقف مراكز الإنتاج هناك. وأوضح أن النظام السوري، بمساعدة حلفاء إقليميين، تمكن من تحويل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد قائم على إنتاج المخدرات، وخاصة الكبتاغون، الذي شكل 50% من الناتج المحلي للنظام بعائدات سنوية تقدر بحوالي 6 مليارات دولار.
وتابع أن الأسواق المستهدفة كانت تشمل السعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر، إضافة إلى الأسواق الأوروبية التي كان يتم الوصول إليها عبر الحلفاء في لبنان. وأشار إلى أن سقوط النظام الأسدي أدى إلى إنهاء واحدة من أخطر وأكبر شبكات تهريب المخدرات في العالم، التي كانت تدار برعاية حكومات وأجهزة مخابرات وأحزاب ومليشيات مسلحة.
وحذر الهاشمي من استغلال بعض الأطراف العراقية لتوقف إنتاج الكبتاغون في سوريا ولبنان، لتبدأ عمليات إنتاجه في العراق، قائلاً: «هناك بؤر صغيرة داخل العراق لإنتاج هذه المادة، وقد تتوسع لتصبح مركزاً إقليمياً جديداً». كما نبه إلى أن الأهداف وراء ذلك قد تكون تحقيق عوائد مالية جديدة بعد التشديدات الأمريكية على حركة الأموال العراقية، أو استهداف المجتمعات العربية بدوافع عدائية تجاه حكوماتها.
وأوضح الهاشمي أن الإجراءات الأخيرة، مثل إغلاق الحدود البرية، أسفرت عن وقف تهريب المواد المخدرة التي كانت تُنتج تحت إشراف السلطات السورية. لكنه كشف عن اكتشاف مصانع تتبع للفرقة الرابعة في سوريا، متخصصة في إنتاج الكبتاغون، قائلاً: «كانت هناك شحنات هائلة جاهزة للتصدير، مخبأة في محولات كهربائية وألواح بناء وفواكه، ووجهتها غالباً مدينة دبي». ودعا الجهات المعنية في العراق والدول المحيطة إلى التحرك السريع لمواجهة هذه التحديات وضمان عدم انتقال هذه الصناعة إلى أراضيها.
وشاهد صحافيون عالميون، هذا الأسبوع عملية حرق حبوب كبتاغون في قاعدة المزة الجوية التي أصبحت الآن في أيدي مقاتلي هيئة تحرير الشام.
وخلف الكومة المشتعلة، في مبنى للقوات الجوية تعرض للنهب، كانت هناك كميات أخرى من الكبتاغون إلى جانب صادرات اخرى غير مشروعة، بما في ذلك أدوية لعلاج الضعف الجنسي وأوراق نقدية مزورة بشكل سيء من فئة 100 دولار.
و قال الخبير الأمني فاضل أبو رغيف لـ الزمان، إن المصدر الأكبر لمادة الكبتاجون يأتي من سوريا، مشيرًا إلى أن هناك شبكات تهريب مرتبطة بهذا الأمر تمكن الجانب العراقي من تفكيكها.
وأضاف أبو رغيف أن الأحداث الأخيرة في سوريا، وسقوط نظام بشار الأسد، أثرت بشكل واضح على تجارة المخدرات في المنطقة، مؤكدًا أن هذا الارتباك الأمني في سوريا انعكس على هذه التجارة القاتلة. وتابع بأن الأجهزة الأمنية العراقية، وخصوصًا مكافحة المخدرات، استفادت من الوضع المربك في سوريا من خلال تنفيذ عمليات نوعية ضد خلايا ومجموعات تعمل على ترويج والاتجار بالكبتاجون، مما ساهم في تقليص نشاطها.
وأوضح أبو رغيف أن تجارة المخدرات تمر حاليًا بمرحلة سبات نتيجة للتغيرات الأمنية، لافتًا إلى أن الأيام المقبلة ستكشف الصورة بشكل أوضح حول تأثير هذه المستجدات على تجارة الكبتاجون.
وأشار إلى أن هناك خطة عمل طارئة وبديلة تشمل إعادة تنظيم جهود الملاحقة والمتابعة، بالإضافة إلى وضع آليات جديدة لمواجهة هذا التحدي.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن الأجهزة الأمنية العراقية تمكنت في الفترة القريبة الماضية من ضبط مئات الكيلوات من المخدرات في الأنبار، ونينوى، والمنافذ الحدودية، حيث تم تهريبها عبر الحدود.
ودعمت عائدات بيع الكبتاغون طوال سنوات الحرب المستمرة منذ 13 عاما حكومة الأسد التي سقطت في هجوم خاطف من المعارضة السورية. وحوّل الكبتاغون سوريا إلى أكبر دولة في العالم تعتمد على عائدات المخدرات، وأصبح أكبر صادرات سوريا متجاوزا جميع صادراتها القانونية مجتمعة، وفقًا لتقديرات مستمدة من بيانات رسمية نشرتها وكاالت عاملية.
ويعتقد الخبراء، كمؤلف تقرير صدر في تموز/يوليو عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن الأسد استخدم تهديد وقوع اضطرابات نتيجة تعاطي المخدرات للضغط على حكومات عربية.
وكتب الباحث في مركز كارنيغي هشام الغنام أن الكبتاغون ساهم في اتساع وباء تعاطي المخدرات في دول الخليج الغنية، حتى مع سعي الأسد إلى إيجاد طرق لإنهاء عزلته الدبلوماسية.
وكتب الغنام أن الأسد استغل تجارة الكبتاغون كوسيلة لممارسة الضغط على دول الخليج، ولا سيما السعودية، لإعادة دمج سوريا في العالم العربي، وهو ما فعلته عام 2023 عندما عادت سوريا إلى جامعة الدول العربية.
وقال الخبير القانوني علي التميمي لـ الزمان إن تجارة المخدرات تُعد من القضايا الدولية الخطيرة، مشيرًا إلى أن عدد متعاطي المخدرات في العالم يبلغ حوالي 250 مليون شخص، وفق تقرير للأمم المتحدة، مما يجعلها تجارة رائجة وتعتمد عليها بعض الدول كمورد اقتصادي ضخم.
وأضاف أن العراق في دستوره، يعتبر المخدرات تجارة دولية، ولذلك لا تُشمل بالعفو الخاص أو العام، مشددًا على أن المخدرات تُدمّر الشباب والمجتمع، وتشجع على الجريمة، وتدفع إلى ارتكاب الجرائم البشعة، حيث إن أغلب الجرائم الخطرة في المجتمع العراقي نتيجة لتعاطي المخدرات. وتابع التميمي موضحًا أن المشكلة في العراق ليست اجتماعية فقط بل قانونية أيضًا، لافتًا إلى أن قانون المخدرات رقم 50 لعام 2017 يميل إلى العلاج أكثر مما يميل إلى الردع والعقوبة. وأشار إلى أن المادة 40 من القانون تُتيح للمتعاطي الذي يسلم نفسه للشرطة تلقي العلاج دون مساءلة جزائية، مما يعطّل النص الجزائي والعقوبة، وهو ما يراه أمرًا يحتاج إلى مراجعة. وأوضح أن القانون السابق رقم 68 لعام 1965 كان يعاقب على تعاطي المخدرات باعتبارها جناية تصل عقوبتها إلى السجن 15 عامًا، بينما القانون الحالي يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات فقط، وبغرامة مالية تصل إلى ثلاثة ملايين دينار، وهو مبلغ وصفه بالبسيط، خاصة في ظل انتشار المخدرات بشكل كبير في العراق وتحول البلاد من ممر ترانزيت إلى مستقر لهذه الآفة.
وأكد التميمي أن القانون رقم 50 لعام 2017 بحاجة إلى تعديل وتشديد العقوبات على جرائم التعاطي، مع اتباع أساليب علاجية تردع المجرمين وتجعلهم يفكرون ألف مرة قبل ارتكاب الجريمة.
واقترح إنشاء جهاز تحريات خاص بمكافحة المخدرات، ينتشر في المدن والأسواق والمدارس والأماكن العامة، ويرتبط بجهاز الاستخبارات، مشيرًا إلى أهمية هذا الجهاز في نقل المعلومات بسرعة ومنع الجرائم قبل وقوعها، كما هو معمول به في دول مثل مصر والأردن.
وختم التميمي حديثه بالدعوة إلى تفعيل الهيئة العليا لمكافحة المخدرات التي نص عليها القانون نفسه، مؤكدًا ضرورة إعطائها الصلاحيات اللازمة بدلاً من ترك جميع الصلاحيات بيد وزير الصحة.



















