جعلت صدام يتخذ قرار – مقالات – ثامر مراد
من يطالع هذا العنوان يتصور أنني كنتُ سياسي مخضرم أو كنتُ عبقرياً من عباقرة الحزب ألأوحد في زمن الثمانينات أو ربما يتصور أنني كنتُ من أعضاء الكونكرس -ألأمريكي- وأوصاف أخرى كثيرة. العنوان يستحق أن يكون هكذا لأعتبارات تتعلق بالحدث البسيط – الصعب في نفس الوقت ولم يكن أحد في الدولة العراقية يستطيع أن يبت في الموضوع إلا رئيس الجمهورية ذاتهِ دون أحد غيرهِ. الحكاية بسيطة جداً تتلخص على الشكل التالي. تلقيتُ أمراً من مديري المباشر أن اذهب الى المطار عام 1988 لأستقبال شبكة تلفزيون أمريكية حضرت لأجراء حوار مع رئيس الدولة. إصطحب الفريق التلفزيوني مجموعتين – كامرتين للتصوير- في عموم العاصمة لحين إستدعائهم لأجراء المقابلة. كنتُ مع الفريق في الفندق ننتظر ألأشارة للذهاب الى القصر الجمهوري. عند الساعة الرابعة عصراً حضر فريق عسكري من القصر الجمهوري وطلب مني أن أهيء كافة ألأجهزة والكامرات لغرض أصطحابها الى جهةٍ خاصة لغرض فحص كل شيء للتأكد من سلامتها من المواد السامة أو اشياء أخرى لاأفهمها. بعد ذهاب الفريق العسكري مع كافة ألأجهزة بقينا ننتظر يوماً كاملاً في الفندق . عند الساعة الواحدة ظهراً من اليوم التالي حضر فريق آخر وطلب من جميع الفريق مرافقتهِ الى القصر الجمهوري مع رئيس قسم الترجمة في وزارة الخارجية آنذاك الدكتور سعدون . لم يسمحوا لي بالذهاب معهم أنا ومرافق آخر من الوزارة كنا نقوم بمرافقة الفريق أثناء التصوير داخل العاصمة. عند المساء عاد فريق التلفزيون ألأمريكي للفندق فرحين جداً لنجاح اللقاء مع رئيس الجمهورية. حينما إستقروا في غرفتهم ذهبت اليهم أنا والزميل الذي كان مكلفاً بواجب مرافقة الفريق. كانت مديرة الفريق مشهورة جدا في تلك القناة وكانت ترقص فرحاً وهي تتهيأ لمغادرة الفندق في الليل مع ألأشرطة المسجلة. كانت أشرطة كثيرة عن كل مناطق بغداد إضافة الى ألأشرطة التي سُجلت فيها اللقاء مع الرئيس. كان الدكتور سعدون يجلس في نفس الغرفة معهم وكان منشرحا جدا لنجاح اللقاء. دخلنا أنا وزميلي من وزارة ألأعلام الى غرفتهم وبعد إلقاء التحية أخبرتُ مديرة الفريق أن تسلمني كافة ألأشرطة بما فيها أشرطة اللقاء مع الرئيس لأخذها الى دائرة ألأذاعة والتلفزيون لفحصها جميعاً وحذف ألأشياء غير الصالحة للنشر. صرخت مديرة الفريق بأنها لايمكن أن تسلمني أي شريط لأنها ستسافر بعد ساعات قليلة. نظرتْ الى المترجم الدكتور سعدون وكأنها تستنجد بهِ. خاطبني الدكتور بكبرياء ” دعها تأخذ ألأشرطة بدون فحص هذه المرة” . نظرتُ إليهِ بهدوء تام قائلاً ” حسناً سيدي سأدعها تأخذ كل شيء ولكن إكتب على هذه الورقة خرجت ألأشرطة بأمري كمترجم ..سيدي أنا جندي مجهول وعلي تنفيذ قانون وزارة ألأعلام وهو لايسمح لأي شريط كاسيت بالخروج من العراق دون فحص ومن يخالف ذلك يتعرض الى أقسى أنواع العقوبة..هل تتحمل كل المسؤولية في هذا الموضوع؟” . نظر اليَّ برعب وهو يقول بأنه لايتحمل أي شيء .كان الحوار باللغة ألأنكليزية. كانت مديرة الفريق تقلب نظراتها بيني وبين المترجم وكأنها تنتظر حكماً بألأعدام. صمت المترجم قليلاً ثم قال ” سأتصل برئيس ديوان رئاسة الجمهورية حول هذا الموضوع” .
كنا جميعاً ننظر إليهِ برعب. همس زميلي من الوزارة ” ماذا تفعل سيعدموننا بسببك” . راح المترجم يتحدث مع رئيس الديوان. أخبرهُ أن ممثل وزارة ألأعلام يقول كذا وكذا , ماذا نفعل؟ . طلب منه رئيس الديوان أن ينتظر قليلاً ليتحدث مع رئيس الجمهورية حول هذا الموضوع لأنه هو ألآخر لايستطيع أن يخالف قانون وزارة ألأعلام. إنتظرنا أكثر من 10 دقائق بصمت كأننا نساق جميعاً لى المقصلة. رن الهاتف. إلتقطهُ المترجم وراح يصغي بأنتباه شديد دون أن يتفوه بكلمة. وضع السماعة وقال مخاطباً مديرة الفريق بالحرف الواحد” ستأخذين جميع ألأشرطة دون فحص” . قفزت الى ألأعلى وهي تصرخ ” نعم..نعم ” . أخبرني المترجم أن صدام وافق على إخراج كافة ألأشرطة دون فحص. نظرتُ إليهِ منحنياً كمن ينحني الى رئيس جمهورية ” حسناً سيدي إنتهت مهمتي سأعود الى الوزارة” . نظر إلي بكبرياء وكأنني لاشيء أمامه. قبل أن أخرج من الغرفة إندفعت مديرة الفريق نحوي هامسة ” شكراً ..أعرف أنك كنت تؤدي واجبك..فرصة سعيدة أتمنى أن نلتقي مرة أخرى” . خرجت من الغرفة حزيناً جداً وخائفاً في نفس الوقت. سمعتُ نداء داخل صالة الفندق يطلب مني التوجة الى مكتب ألأستعلامات. كان مديري على الطرف ألآخر من الهاتف يصرخ بأعلى صوتهِ” ماذا تفعل؟ دعهم يصطحبوا أشرطتهم معهم , هذا أمر وزير ألأعلام” . شرحت له ألأمر . وخرجت من الفندق. قال زميلي من الوزارة ” هل تعرف أن كل ألأشرطة ستسلم الى إسرائيل صورنا معامل ومؤسسات كثيرة هذه كارثة” . نظرتُ إليه ولسان حالي يقول ” رئيس الجمهورية لايعرف هذا” . أنا لاشيء في ذلك الزمن مجرد موظف صغير ولكنني جعلتُ صدام يتخذ قرار.

















