
رافد جبوري
يأتي فتح جسر السنك في بغداد الذي كان واحدا من ساحات المواجهة الرئيسية بين المتظاهرين والقوات التي قمعتهم كتطور اخر يكرس المرحلة الثانية من الحركة الاحتجاجية. شهد جسر السنك اكثر من مرة مواجهات دامية بين المتظاهرين وقامعيهم كانت اشد تلك المواجهات ماحصل في ديسمبر كانون الاول عندما هاجم مسلحون يعتقد انهم ينتمون لاحدى الميليشيات المتظاهرين واطلقوا النار عليهم بينما تصدر عملية المواجهة لذلك عناصر القبعات الزرق التابعين لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. هاهي عملية فتح جسر السنك تأتي بعد ان افترق الصدر وحركته عن الحركة الاحتجاجية لكن ايضا بعد ان امر بحل القبعات الزرق التي اتهم عناصرها بالهجوم على المتظاهرين وقتلهم ايضا في الاسابيع الاخيرة.
كل هذه الاحداث تستدعي وقفة لتدبر ملامح المرحلة الجديدة. في البداية كان واضحا ان تظاهرات تشرين كانت اكبر مما يتوقع الجميع بحجمها وباهدافها فقد اهتزت الطبقة السياسية العراقية وفشلت اذرعها الامنية في التعامل التظاهرات رغم القمع الدموي و حملات الشيطنة الاعلامية. بينما جاء انضمام التيار الصدري بعد ذلك للتظاهرات ليجعلها اكبر واقوى, الى ان اتت لحظة الفراق التي كانت متوقعة. فالتيار الصدري تيار سياسي ولكنه ثوري اسلامي ايضا له قيادة وتنظيمات وهو مشارك في العملية السياسية و متصل بابعادها الاقليمية. فزعيمه يميز نفسه عن الاطراف المندمجة تماما مع المشروع الايراني لكنه لا يعادي ايران طبعا. كما انه يتحالف مع الشيوعيين والعلمانيين لكنه لا يتبعهم. وهو طالما جلس مصغيا بلطف لاوقات طويلة لكثير من الصحفيين والناشطين في جلسات جماعية او ثنائية لكن هذا لايعني انه اقتنع بما سمعه منهم.
اما حركة التظاهرات فهي حركة ناقمة على كل العملية السياسية ولكنها ايضا لم تفرز هي قيادة واضحة لاسباب عديدة. اهم ملامح المرحلة الجديدة هي تطبيع الاوضاع الميدانية الذي بات مطلبا تركز عليه اطراف عديدة منها التيار الصدري. وقد اوضحت تطورات الايام الاخيرة ان عمليات تصفية التظاهرات في مناطق عديدة في بغداد ومحافظات الجنوب لم تعد تثير نفس الادانة من الاوساط المتنفذة محليا ودوليا. فقد دانت المرجعية الشيعية العليا ما حدث في ساحة الصدرين في النجف ولكن ليس بنفس الطريقة التي دانت بها اعمال قمع سابقة في نوفمبر تشرين الثاني في النجف عندما اشار المتحدثون باسمها صراحة الى ضرورة تشكيل حكومة جديدة فاستقال رئيس الوزراء عادل عبد المهدي مباشرة بعد تلك الاشارة وهو الذي كان متمسكا بالمنصب. اما الان فمن الواضح ان اوساطا عديدة مؤثرة تريد دعم تكليف محمد توفيق علاوي واعطائه فرصه لتشكيل حكومته والنظر بعدها الى تأثير ذلك على الوضع.
حركة التظاهرات والمتظاهرين ما زالت مستمرة, وقد توقع كثيرون ان تخمد وتفتر ولكنها تعود كل مرة بقوة. وفي اخر الامثلة لذلك كانت التظاهرات الرافضة لتكليف توفيق علاوي. لكن المواجهة بين المتظاهرين والنظام السياسي طالت ولذلك تبعاته طبعا ومن اهمها ان شرائح عديدة ايدت التظاهرات في البداية بدأت تفتر بسبب عدم تحقق هدف احداث تغييرات جذرية في النظام. لا يعني هذا ان التظاهرات على وشك ان تنتهي فهذا امر تحدده عوامل عديدة اهمها همة المتظاهرين انفسهم لكن في العموم فان الاطراف المنظمة هي من يكسب المعارك الطويلة. هناك طبعا قضية التوظيف السياسي للتظاهرات والمتظاهرين وهي اكثر تعقيدا من قضية ركوب الموجة. فمثلا ترى رئيس الوزراء المكلف يطالب المتظاهرين بالاستمرار بالتظاهر. يضع ذلك كجزء من ادعائه بانه يحتاج دعما في مواجهة القوى السياسية. لكن تلك القوى السياسية هي من اتى به الى المنصب. كما ان قوى عديدة مؤثرة تعرب بشكل منتظم عن دعمها للتظاهرات والمتظاهرين ثم تردف ذلك بعبارات تضم معان عديدة هي في الحقيقة شروط واعتبارات ومحددات تضمن مصالح تلك القوى وتؤكد مواقفها.
افتتاح جسر السنك ليس نهاية للحركة الاحتجاجية ولكن تأكيد على ان مرحلة ثانية بدأت. في هذه المرحلة تصطف القوى السياسية باذرعها العسكرية ضد فكرة اسقاط النظام السياسي او حتى تغييره بطريقة تؤثر على مصالحها. وقد اتضح هذا بعد تغير موقف التيار الصدري من المشاركة في التظاهرات الى السيطرة عليها. لا بل و يكاد التيار الصدري يتصدر ايضا استراتيجية القوى الشيعية المسلحة الاخرى في التعامل مع التظاهرات رغم المشاكل التاريخية للتيار مع تلك القوى. يسيطر التيار الصدري اذن على المطعم التركي وتقوم السلطات بافتتاح جسر السنك في عملية تطبيع للاوضاع. فيما يواجه المتظاهرون اسئلة مهمة عن وجهتهم القادمة.



















