
ثقب أسود إسمه الكهرباء – عباس الصباغ
تحلو لي الاستعارة المجازية للثقوب السود السماوية التي تبتلع الكواكب او حتى مجرات باكملها ضمن السديم (الملكوت) الهائل الذي خلقه الله سبحانه وتعالى والذي يضم من جملة ما يضمه مجرتنا درب التبانة جزءا منه وبالتأكيد ان لا تكون كرتنا الارضية خارج هذا السياق المعمول به الهيا كما ورد في قوله تعالى (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ {الذاريات/47 ). وليس ببعيد عن فكرة الابتلاع آنفة الذكر مقارنة قطاع الكهرباء المتعثر منذ عدة عقود في العراق والذي ابتلع ومازال يبتلع لحد الان التخصيصات المالية الهائلة والتي تقدر بملايين الدولارات من الموازنات المالية العامة للدولة كل سنة دون ان يتحقق اي نجاح ملموس بل تزداد معاناة المواطن العراقي المكَرود خاصة في فصل الصيف حين تلامس درجات الحرارة اللاهبة نصف درجة الغليان وتكون المعاناة مركبة وبواقع مزدوج من شحة التوزيع للكهرباء «الوطنية» من جهة ومع التعاطي اليومي (الذي لابد منه) مع المولدات الاهلية او البيتية من جهة اخرى فهذا يحتاج الى بحث خاص به فلكل معاناة عراقية لها بحثها الخاص بها (ولنا دراسة بهذا الخصوص) . في كل سنة ومع تحديد الموازنة المالية العامة للبلد ترتفع وتيرة المطالبات المالية من قبل المعنيين بوزارة الكهرباء يطالبون بزيادة التخصيصات المالية لوزارة الكهرباء سواء في الانتاج او التوزيع او صيانة الخطوط الناقلة للطاقة والتي تعاني من كثرة التسريبات للطاقة الوطنية هذا بالإضافة الى الاموال المخصصة والمكلفة للصيانة لواقع الشبكة الوطنية المتهالكة لان اغلب الخطوط والشبكات المخصصة لهذا الغرض قد تم مدها في سبعينيات او ثمانيات القرن الماضي وقد عفا عنها الزمن وصارت اشبه بالخردة المتهالكة ان لم تكن كذلك يضاف الى كل ذلك المليارات من العملة الصعبة التي تصرف على الوقود المغذي (الغاز) والتي تذهب الى دول الجوار ـ بعد استقطاعها من قوت المواطن العراقي ـ لمحطات الانتاج الكهربائي ولم يُعرف لحد الان لماذا اختار صاحب القرار السيا ـ اقتصادي الشروع ببناء محطات كهرباء توليدية تستخدم الغاز دون غيره ودون التفكير في مستقبل هذه المحطات في حال انقطع الغاز الذي يستورد من الجارة ايران او من غيرها والتي تعاني هي الاخرى من ظروف غير مريحة تؤثر بشكل مباشر على امدادات الغاز الى العراق ناهيك عن عوامل الفساد المنتشر في اروقة ومفاصل وزارة الكهرباء التي تصنف من اكثر الوزارات «الخدمية « فسادا سواء في التجهيز او الانتاج او الصيانة وحتى في الجباية المتعثرة ، وكان من المؤمل ان تساهم مشاريع الطاقة المتجددة (الشمسية مثلا ) في التقليل من حدة الطلب على الطاقة الوطنية الا ان هذا الملف بقي دون تفعيل حقيقي سوى مايثار في وسائل الاعلام من لمحات خجولة وبقي هو الاخر مشروعا متعثرا .
ونتيجة للفشل والتخبط وسوء التخطيط والادارة والفساد الحكومي لقطاع الكهرباء الوطنية وقعت مسؤولية التجهيز على المولدات الاهلية والبيتية الامر الذي فاقم من معاناة الفرد العراقي وساهم في اضافة معاناة اخرى تضاف الى سلسلة معاناته المعيشية اليومية والجميع يعلم ان المؤشرات البيئية دلت على ان العراق من اكثر البلدان تلوثا بسبب الغازات السامة التي تطلقها تلك المولدات التي يقارب عددها حوالي 100 الف مولدة اهلية في جميع مدن العراق اضافة الى الضجيج فيكون التلوث مزدوجا مابين السمعي والبصري اضافة الى الكلف المادية وعلى حساب معيشة الفقراء وما اكثرهم في هذا البلد . وبهذا يكون ملف الكهرباء اشبه بالثقب الاسود الذي يبتلع الاجرام السماوية فهو يبتلع اموال العراقيين ومايزال هو كذلك .


















