تونس بين الرمضاء والنار – مقالات – سيدة بن علي
ما تشهده ولاية القصرين واغلب الولايات في تونس اليوم من غضب عاصف في الحقيقة مشروع وله دوافعه ومبرراته والكثير من هم مستبشر خيرا بهذا الحراك او هذه الانتفاضة وبدأت اصوات التهليل والترحيب تتعالى وتشجع بأن تونس مقبلة على ثورة جديدة سوف تحقق امال التونسيين وطموحاتهم في الخبز والكرامة والحرية فهل ما يجري هو حقا ثورة ام هو فخ ومحنة جديدة من محننا الكثيرة .. ?
شاهدت فيديو لاحد المتظاهرين او الضحايا في القصرين …كان مرتبكا وبارعا في تمثيل دور الرعب ، وما شدني لهذا الشخص هو فصاحته التي لا يمكن ان يملكها الا مثقف قرآني بارع …كان يشكو من سفالة الجيش التونسي …مصدوم فيه يعني …المصيبة ان الرجل كان يستجير بداعش قائلا :اييييييييه وينك يا داعش وينك …توة نوروكم …
ايها الاغبياء الذين يأملون في قيام ثورة بدايتها هي احداث القصرين الحالية ..الم تعتبروا مما حل بنا من قبل ومازلتم تسعون الى الايقاع بنا وبأنفسكم فريسة لهذه الثورات المسمومة المشبوهة …أي ثورة واي امال يمكن ان تتحقق عبر من يستجير بداعش …من يقف وراء ما يجري في القصرين ?
فأنا لست موالية ولا راضية على ما وصل اليه حال البلاد من ترد على جميع المستويات لكن ليس معنى هذا ان نقع في الفخ للمرة الثانية ونسلم رقابنا للذئاب المتربصة بنا ..
مشكلتنا أننا لم نتخلص من رومانسيتنا فيما يخص الثورة ، وهذه الرومانسية على جماليتها للأسف تغرقنا في الوهم وتجعلنا نقع في العديد من الفخاخ التي تنصب لنا ولبلادنا …الوقت ليس مناسبا لقيام ثورة رومانسية على انغام اغنية تشي جيفارا …الذئاب المتربصة بنا لن تسمح لنا بممارستها وتطبيقها على ارض الواقع وليس معنى كلامي أني راضية على الوضع الذي نعاني منه وما لا جدال فيه هو ان الكثير من الشباب المهمش والذي يعاني من الفقر والبطالة لهم عذرهم في الاحتجاج والتعبير عن رفضهم والدفاع عن حقهم في الحياة الكريمة ومن حقهم المطالبة بحقوقهم فقد ضاقوا ذرعا بالأكاذيب والوعود الوهمية والفساد التي يزكم الانوف ويجعل القلوب تحترق غضبا مما تسبب في حالة مستعصية من الغضب والاحباط بسبب احساسهم بالقهر والانتهاك لإنسانيتهم والاستخفاف بهم …من حقهم ان يحتجّوا نعم …من حقّهم ان يعبروا عن غضبهم نعم .. لكن المشكلة تكمن في هؤلاء الذين يعيشون اليوم حالة استنفار متهيئين للحظة الحاسمة التي تسمح لهم بالركوب على اوجاع هؤلاء المهمشين … هل النخب التقدمية والوطنية المباركة للاحتجاجات والاحداث الجارية حاليا في القصرين جاهزة لإدارة ثورة كما يقولون ام ان هذه النخب فقط تتخمر وتتحمس حين تسمع انغام الثورة كي لا يقال عنهم انهم تخلوا عن مبادئهم وثوريتهم ثم تترك الامر للعالي القدير والصدف ….لسنا بحاجة الى الردح لبضعة ايام. واخبرونا ماذا انتم فاعلون حين تنفلت الوحوش من مكامنها وتصبح البلاد عرضة للحرق والتخريب والنهب والقتل ….؟ ماذا اعددتم لتلافي ذلك …ليست ثورة ولن تكون مادامت الذئاب متربصة بتونس وتطمح لاستعادة ما انتزع منها .
لنترك وجهات النظر جانبا و سوف احدثكم اليوم بصفتي شاهدة عين واذن عما حدث ليلة البارحة ..ما رأيته وما سمعته…بكل صدق البارحة عرفت لماذا كان يطلق على الطبقة العامة في الثقافة العربية اسماء تعبر عن الازدراء والاحتقار من قبيل (العامة…الدهماء…السوقة… الرعاع…السفلة….)… البارحة شاهدت عبر شرفة بيتي رعاعا ودهماء …كنت اغضب من استاذ لي ايام الجامعة حين ينعت الطبقات المسحوقة بالدونية لكن للأسف هو على حق …لم يكونوا من البشر بل هم اسبه ما يكونوا بالحيوانات المتوحشة المنفلتة من اقفاصها …احرقوا وخربوا ونهبوا …اصواتهم كانت اقرب الى الزئير والنهيق منها الى اصوات البشر …استولى الرعب على كامل المنطقة وكنا مجبرين على ان نلزم بيوتنا خاصة بعد انسحاب الامن الذي احرقت مراكزه ورجاله كانوا بين خيارين اما ان يقتلوا هذه الوحوش او ينفذوا بجلدهم …تبا للديمقراطية التي تبيح للسراق والنهابين والقتلة الاعتداء علينا وارهابنا باسم الثورة ….حين تقتحم الوحوش ابواب بيوتكم ويقتل ابناءكم او تغتصب زوجاتك او بناتكم وقتها نحن بانتظاركم لتنشدوا لنا اغنية الثورة …تونس تحترق ايها الاغبياء ….المجهولون الذين تحدث عنهم شهود العيان ليلة البارحة هم قادة الثورة المزعومة .. كانوا يصرخون الله اكبر وفي نفس الوقت يلعن ر ….ك وعبارات اخرى غاية في السوقية والتدني ….طبعا كانت غايتهم النهب والسلب الى جانب محاولة اجبار الجيش والامن على مغادرة اماكنه على الحدود وبقية المنافذ ..البلاد تمر بظرف عصيب فلا تستمعوا الى اولئك المنتفخة اوداجهم نعمة ..اولئك المقيمون في لندن وفرنسا وامريكا ووحدهم يعلمون مصدر نعمتهم ومن هم اولياءها ..يطلون علينا بين الحين والاخر عبر اشرطة فيديو ينشرونها على الفيس بوك وتوتير للتحريض على حرق الاخضر واليابس …لست انهزامية ولا جبانة حين اقول هذا والارهاب ليس فزاعة يا اولي الالباب ..الارهاب على الابواب…..وليس معنى كلامي هذا ان الاحتجاجات التي حصلت مؤخرا لم تكن مشروعة فالشعب ضاق ذرعا من الفقر والتهميش والبطالة وليس راضيا عن اداء الحكومة الحالية ..هؤلاء الذين بدأوا بالاحتجاج نهارا هم اصحاب حق مما لا شك فيه لكن المشكلة في العصابات التي خرجت علينا ليلا لترهبنا وتحرق وتنهب …من وراءها …من اطلق هذه الكلاب السائبة …ما حدث سوف يجعلنا في رعب من اي تحرك او احتجاج يمكن ان يحدث مستقبلا وهذا تهديد مقيت للديمقراطية وحرية الراي والخوف كل الخوف ان يكون هذا الانفلات ذريعة تعيدنا الى اقفاصنا التي كنا لا نجرؤ على مغادرتها قبل 14جانفي2011….في الحقيقة نحن اليوم نعيش بين الرمضاء والنار ….الافئدـــــة تضطرم غضبا واحساسا بالقهر بسبب الاوضاع المـــــتردية على جميع المستويات وفي نفس الــــوقت علينا ان نحسب الف حــــساب لأي تحرك احتجاجي يمكن ان يحدث حتى لا يقــــع الركوب عليه وتــشويهه.



















