تكاد الدماء تذهب سدى

فاتح عبدالسلام

أسمع‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬حكاّم‭ ‬العراق‭ ‬انهم‭ ‬سيخوضون‭ ‬معركة‭ ‬الاعمار‭ ‬كما‭ ‬خاضوا‭ ‬معركة‭ ‬تحرير‭ ‬المدن‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬وانتصروا‭ ‬فيها‭ .‬

يأمل‭ ‬أيّ‭ ‬مراقب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬شفافية‭ ‬تناسب‭ ‬الوضع‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحتمل‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الأغطية‭ .‬

ملف‭ ‬الاعمار‭ ‬متصل‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بالصفحة‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬أعلنوا‭ ‬طيّها‭ ‬وهماً‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬مسؤول‭ ‬أمريكي‭ ‬أعلم‭ ‬من‭ ‬سواه‭ ‬بماجري‭ ‬ان‭ ‬التنظيم‭ ‬الارهابي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الضرب‭ ‬في‭ ‬امكنة‭ ‬كثيرة‭ ‬وانه‭ ‬يعيد‭ ‬تنظيم‭ ‬نفسه‭ . ‬كما‭ ‬انّ‭ ‬حادثة‭ ‬الحويجة‭ ‬في‭ ‬الكمين‭ ‬الشهير‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الاراضي‭ ‬المحررة‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬إنّ‭ ‬المسألة‭ ‬الأمنية‭ ‬ليست‭ ‬محسومة‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭ .‬

الشفافية‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬تحرير‭ ‬الموصل‭ ‬،بدلالة‭ ‬الجثث‭ ‬المدفونة‭ ‬وهي‭ ‬بالآلاف‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬وسط‭ ‬كميات‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬التحرك‭ ‬لتنظيفها‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬مضي‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬اعلان‭ ‬التحرير‭.‬

‭ ‬هناك‭ ‬عوائل‭ ‬كاملة‭ ‬مدفونة‭ ‬تحت‭ ‬البيوت‭ ‬المقصوفة‭ ‬بقسوة‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يسأل‭ ‬عنها‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬ناجون‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬العوائل‭ ‬ليأتي‭ ‬ويسأل‭ . ‬

الجثث‭ ‬المتعفنة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬هي‭ ‬استمرارية‭ ‬للحرب‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين‭ .‬

تعالوا‭ ‬وقولوا‭ ‬للعراقيين‭ ‬،ماذا‭ ‬جنيتم‭ ‬من‭ ‬مؤتمر‭ ‬الكويت‭ ‬بالأرقام‭ ‬،وما‭ ‬هي‭ ‬حصة‭ ‬المدن‭ ‬المحطمة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الموعودة‭ ‬عبر‭ ‬القروض‭ ‬المعلنة؟

قولوا‭ ‬لأهالي‭ ‬المدن‭ ‬المنكوبة‭ ‬،متى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬الاهالي‭ ‬لبيوتهم‭ ‬أو‭ ‬متى‭ ‬ترفع‭ ‬الاليات‭ ‬الثقيلة‭ ‬الانقاض‭ ‬لكي‭ ‬ينام‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬بيوتهم‭ ‬المحطمة‭ ‬أفضل‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬نوم‭ ‬الخيام‭ ‬في‭ ‬البرد‭ ‬والحر‭ ‬؟‭.‬

‭ ‬اعطوا‭ ‬للناس‭ ‬أفقاً‭ ‬زمناً‭ ‬ملموساً‭ ‬وموعداً‭ ‬افتراضياً‭ ‬للأمل‭ ‬بانتهاء‭ ‬استمرارية‭ ‬نكبتهم‭ .‬

‭ ‬المسألة‭ ‬لاتقاس‭ ‬كما‭ ‬ظنّ‭ ‬كثيرون‭ ‬بأن‭ ‬اقصف‭ ‬واهدم‭ ‬لطرد‭ ‬تنظيم‭ ‬متطرف‭ ‬واسحق‭ ‬معه‭ ‬ثلث‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يرمش‭ ‬لأحد‭ ‬جفن‭ .‬

‭ ‬الخراب‭ ‬العظيم‭ ‬وغياب‭ ‬خطط‭ ‬الانقاذ‭ ‬والبناء‭ ‬هي‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬أو‭ ‬سواه‭ ‬يرمي‭ ‬الوصول‭ ‬اليها‭ ‬لتسهيل‭ ‬عودته‭ ‬الى‭ ‬المدن‭ ‬المنكوبة‭ ‬والمفككة‭ ‬دائماً‭ .‬

الاعمار‭ ‬والبناء‭ ‬لثلث‭ ‬العراق‭ ‬المحطم‭ ‬ليس‭ ‬مسألة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬وزراء‭ ‬أو‭ ‬اجتماعات‭ ‬دولية‭ ‬متهافتة‭ ‬،‭ ‬وانما‭ ‬هي‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬متكامل‭ ‬،‭ ‬سالت‭ ‬الدماء‭ ‬في‭ ‬سبيله‭ ‬وسيكون‭ ‬سيلها‭ ‬ذهب‭ ‬سدى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التخبط‭ ‬وعدم‭ ‬مكاشفة‭ ‬الناس‭ ‬بالأفق‭ ‬الزمني‭ ‬التقريبي‭ ‬للأمل‭ ‬في‭ ‬ايجاد‭ ‬حل‭ ‬للنكبة‭ ‬الكبرى‭ .‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية

fatihabdulsalam@hotmail.com