

القاص محمّد خضيّر
بعد أكثر من خمسة عقود – عـلاء لازم العيـسى
منذ أن نشر قصّته ( النيساني ) سنة 1962 وألحقها بقصّته ( البطّات الثلاث) الفائزة في مسابقة ملحق جريدة الجمهوريّة البغداديّة الاسبوعي لسنة 1966 أثار الأستاذ القاص محمّد خضيّر المولود في البصرة سنة 1942 اهتمام النقّاد العراقيين ، فكتبت عنه دراسات موسّعة ومقالات نقديّة ، ومن الأوائل الذين كتبوا عن ابداع القاص محمّد خضيّر الناقد فاضل ثامر في كتابه (( قصص عراقيّة معاصرة )) الذي أصدره بالاشتراك مع الناقد ياسين النصيّر متنبئًا بمستقبله الأدبي الزاهر على مستوى العراق والوطن العربي ، فقال : (( يُعدّ من أبرز وألمع قصّاصي الشباب في بلادنا ، رغم أنّه لم يطبع أيّة مجموعة قصصيّة إلى الآن ، وقد استطاع في كلّ ما قرأناه له أن يقنعنا بأنّه قاصّ متمكّن ، بمستطاعه التعامل مع العالم الخارجي وأبطاله بوعي وتخطيط ويزيدنا قناعة بإنّه قادر في المستقبل أيضًا على تقديم عطاء طيّب للقصة العراقيّة والعربيّة )).
الأرجوحة البداية الصادمة
وإذا كان فاضل ثامر والنصيّر قد بشّرا بعطاء القاص محمّد خضيّر الطيّب الذي سيقدّمه للقصّة العراقيّة والعربيّة مستقبلًا، فإنّ ناقدًا ثالثًا عدّ قصّته (( الأرجوحة )) مفاجأة لم تكن متوقّعة في حقل الإنتاج القصصي ، لأنّها (( شكّلت البداية الصادمة أو صدمة البداية للوعي السائد آنذاك على صعيد القصة القصيرة وقوانينها . فالقصة تلك التي بشّرت بها (( الآداب )) البيروتيّة كانت بكلّ المعايير بشيرًا ليس بولادة قاص جديد مجدّد ، بل كانت بداية التحضير الجاد بولادة مستوى جديد من التعامل مع القصة ليس على أساس وصفها حكاية تروى ، بقدر ما هي رؤية حكاية من منظور وزاوية مختلفين ومتباعدين في آن معًا ))( محمّد خضيّر أطياف بصرياثا ، حمزة مصطفى ، مجلة الأقلام ص53 العددان 4 ــ 5 السنة 2004 39 ص ).
القاص المكتشف
وحينما تكلّم الناقد النصيّر عن مصاديق مفهوم ( المكان ) في الرواية العراقيّة ، توقّف عند الغرفة العلويّة في المدن الجنوبيّة وفي مدينة البصرة ذاتها، التي ابتناها البصريّون من الأخشاب فوق الطابق الأرضي ، وأوصلوها بالأرض بسلّم خشبي ، أو ابتنوها غرفًا صغيرة خلف أكبر غرف البيت ، حيث يجلس ربّ الأسرة أو الجدّة ، وتُفتح بباب على باحة الغرفة الكبيرة ، ومنح أستاذنا القاص صفة المكتشف ، فقال ما نصّه : (( لمحمّد خضير فضل اكتشاف مثل هذه الغرف ، فهي الأماكن التي يستّقر فيها كلّ شيء مهمّ وهي الأماكن التي لا يسكنها إلّا من تقادم به الزمن ، أو تقادمت به الحالة وأصبحت القضيّة والموقف لحياته ، ولكون شخصيّاته الرئيسة من النساء فقد وجد ثمّة توافق بين حاجات المرأة المستديمة والأماكن التي تسكن فيها ، فما كان منه إلّا وإن ارتفع بها عن الأرض هي وأسرارها كجزء من أسرار قديمة توارثتها العائلة ، في غرفة معزولة ، مسيّجة بتقاليد وأعراف )) ( الرواية والمكان ص105 ) .
بصرياثا المنعطف الكبير
وبعد صدور كتابه الرائع والتأسيسي ( بصرياثا ) في سنة 1993 أحدث محمّد خضيّر حركة تحوّل نوعيّة ، ومنعطفًا كبيرًا في تاريخ النثر العراقي الحديث ، إذ فتح الباب على مصراعيه لكتبٍ أخرى (( انفتحت متونها على سير المؤلفين ، أو ما جاورها من حيوات ، وأماكن كانوا جزءًا منها ))، ودفعهم للتغلغل في الزوايا الخفيّة في مدنهم التي ولدوا فيها ، أو في مدن أخرى عاشوا فيها مدة من الزمن طالت أو قصرت ، وكانت البداية على شكل مقالات لعلّ أولها مقالة الفنّان التشكيلي شاكر حسن آل سعيد وكانت بعنوان : (( المنحى الماورائي )) ( مجلة الأقلام ، العدد (1933 / 2 / 1) ، والمقالة التي نشرها الشاعر حميد سعيد عن مدينته الحلّة وكانت بعنوان (( المكان في تضاريس الذاكرة الحلّة في زمن ما )) (الأقلام ، العدد 3 / 4 / 1993 ). وقد استعان حميد سعيد عند كتابة مقالته المذكورة بذاكرته الشخصيّة وليس سواها، فلم يستعر قلم المؤرخ أو عالم الاجتماع ، محاولًا البقاء في ظلّ ما رأى ، لا في محيط ما رأى غيره وحدّثوه عنه ـــ كما ذكر في نهاية مقالته ـــ مخالف في منهجه الكتابي لخطاب محمّد خضيّر في بصرياثا الذي اعتمد على التوثيق التاريخي والوصف الجيولوجي والجغرافي والدراسة النقديّة وكتب التراث ، إضافة إلى الاستذكار والاسترجاع المبني على ما تقوله الذاكرة ، وفاعليّة التخيّل ، مع الالتفات إلى أنّ التاريخ عند محمّد خضيّر على خلاف التاريخ عند المؤرّخين ، فهو تاريخ يشبه ذلك الموجود عند المحلّل النفسي . وبعد ذلك بسنوات غابت ظاهرة النشر على شكل مقالات وحضرت ظاهرة النشر في كتب خاصة لها صلة بالمكان ، مثل : (( البصرة جنّة البستان )) للشاعر البصري المغترب مهدي محمّد علي أصدره سنة 1998 حاول فيه أن يرسم صورة لمدينته البصرة في خمسينات القرن العشرين بكلّ أبعادها وشوارعها وبيوتها والمباني والأسواق والأضرحة والساحات والميادين العامة والحدائق والبساتين ، والناس في البيوت والأسواق ، والشخصيّات الشعبيّة ، وتقاليد الناس كلّ ذلك في إطار الذكريات التي قد تتضمّن قيمة توثيقيّة ، وكتاب (( حفريّات في اللاوعي المهمل )) لمالك المطّلبي 2007 و (( الرؤى والأمكنة )) لزيد الشهيد 2010 . وبسبب نصوص محمّد خضيّر الجيدة ، وفنّه العالي ، اعترف بعض النقّاد بفضله عليهم ، وجعلوه مقياسًا لجودة كتاباتهم ، وهذا ما صرّح به الناقد الدكتور شجاع العاني أستاذ النقد الأدبي في جامعة بغداد في مقابلة أجراها معه سعدون هليل إذ قال بالنصّ : (( وأنا أعترف بفضل محمّد خضيّر عليّ ، إذ شعرتُ أنني ناقد حقيقي بفعل فنّه العالي ، فالنصّ الجيّد يخلق نقّاده الجيّدين ، أمّا الضعيف فلا )) الحوار المتمدن 21 / 10 / 2010 . إنّ المسألة المهمّة في فهم كتابات الكاتب المتألق محمّد خضيّر ، والخاصيّة المميّزة لها هي أن تمرّ القراءة بمرحلتين : القراءة الاستهلاليّة أو الاستكشافيّة ، ومرحلة القراءة الاستعاديّة أو التأويليّة ـــ كما يسمّيها جوناثان كلر ـــ وفيها تصبح العوائق التي ظهرت في القراءة الأولى ، مفاتيح لقراءة جديدة منتجة ، لكي لا نصاب بالدوار نتيجة دوران العالم ، هذا إذا علمنا بأنّ محمّد خضيّر صرّح في أحد كتبه فقال : ((غيري يتجوّل حول العالم ولا يستقر في مكان حقيقي ، اشعر خلافه أنني في مكاني والعالم يدور حولي )) بصرياثا / ص17.

















