
عبدالحق بن رحمون
سبتة هي المفتاح الذي قاد العرب إلى الأندلس، وأيضا هي المفتاح الذي يحلم به كل المهاجرين السريين للوصول إلى الفردوس المفقود، ومفتاح كذلك لنساء مغربيات حالمات بالهروب من عتبات الفقر، لكن عبر ممر الذل والاهانات المذقعة، الشيء الذي نتج عنه حصاد أرواح بريئة، أغلبهن من النساء، ممتهنات التهريب المعيشي، حيث وصل عدد الوفيات في معبر باب سبتة المحتلة إلى ثمان حالات في أقل من سنة. وهذه ظاهرة جرت سريعا ومتشابهة في وقائعها أمام تحول مجتمعي تحتاج فيه إلى دراسة من طرف مختصين في علم الاجتماع لكشف خبايا هذه الوضعية وتأثيراتها على بنية المجتمع الذي يتطلع للتنمية البشرية المستدامة.
قد نسمع عن السلع المهربة، وعن الماركات الرفيعة التي تباع بنصف ثمنها الأصلي، وقد نعرف أو نسمع أن باب سبتة يطلق عليها اليوم باب الموت، لكننا قد نتناسى أن عالما من سبتة وضع أول خارطة في العالم في تاريخ الجغرافية. هذه الخارطة التي ستضيء لسكان الكرة الأرضية مواقع وأراض، كما ستقود فيما بعد المهاجرين السريين لاكتشاف قارات جديدة، هروبا من المجاعات والحروب الأهلية. هذا العالم الجليل هو الشريف الإدريسي السبتي الذي ارتبط باسمه تاريخ المغرب، وبفضله أسدى للبشرية معروفا لايعوض بثمن، حين بيَّن الجبال والبحار والأنهار، أهدى للإنسانية كتابا ألفه موسوما بـ «نزهة المشتاق» الذي قسم فيه الأرض إلى سبع مناطق، وكل منطقة قسمها إلى عشرة أقطار متساوية، ويجب أن لا ننسى أيضا شخصية القاضي عياض الذي ارتبط اسمه بمدينة سبتة .
وبهذا فالمدن العربية تعرف من خلال نسائها ورجالها العلماء، الذين يخلدون اسمهم في التاريخ، وبهذا فمدينة سبتة لها تاريخ حافل ومجيد إلا أنه بعدما كانت مصدرة للعلم والفكر للعالم العربي، إلا أن واقع الحال للأسف لا يدوم فها هي اليوم اسمها صار في ذاكرة المغاربة مرتبطا بصحون الطاووس، والبطانيات الفاخرة، والأواني والأجهزة الالكترونية، والشكلاط، والمرتديلا، والملابس النسائية، والأحذية الرياضية والهواتف النقالة، والملابس المستعملة، وسبب هذا الإقبال على هذه السلع هو الاثمنة المخفضة، فمدينة سبتة سوق حرة، يمكن شراء أي بضاعة من غير أن تدفع الضرائب عنها.
وما من منزل مغربي إلا ووجدت كل تجهيزاته من مدينة سبتة المحتلة لدرجة أن منازل صارت لها رفوف وخزانات خاصة بالأواني والصحون المهربة التي تنافس كبريات المكتبات العامة . وسبتة أو باب الموت هي طريق جهنم للباحثين عن الثروة غير الشرعية، ولطالما أسالت لعاب المهربين الكبار في الممنوعات وفي الاتجار في البشر، وهي تعرف في كل مناطق المغرب، مدينة تخضع لتقلبات مزاج الدرهم في زواجه مع الأورور في مغامرات الصعود والهبوط، إلا أن باب سبتة أو «الديوانة» سيتحول المرور منه إلى جحيم للعابرين قد يستغرق لأزيد من عشر ساعات.
وتستقبل مدينة سبتة أكثر من 10 آلاف سيارة يوميا، إلا أنه لا يمكنها استقبال أكثر من 1500 سيارة يوميا، حيث أن 80 بالمائة من السيارات التي تدخل إلى المدينة المحتلة، مخصصة لنقل البضائع التي هي في ملكية ممتهني التهريب.
ما أصبح يجري الآن في باب سبتة من حصاد أرواح برئية من النساء يضع عددا من علامات الاستفهام والتعجب، إلا أن الفقر ليس وحده هو السبب، فالاجراءات الأمنية والتدبيرية منها خاصة تلك المتاريس والحواجز التي وضعت بطرخال2 سواء من الجانب المغربي أو الجانب الإسباني، هي المسؤولة عما يقع من مآس ، وشهود عيان لما يروون حكايات عن الحوادث التي تقع في هذا المعبر الحدودي يوضحون أن تدخلات بعض العناصر الأمنية المبالغ فيها، شكلت الشرارة الأولى للفوضى. وهناك من حمل المسؤولية إلى جهات تقوم باستغلال الطوابير التي تتجمع لأجل الفوز بـجواز التهريب» أو»الليسي باصي» .
هل من حلول جذرية توفق بين ما هو اجتماعي واقتصادي وأمني وسيادي، لمشكل الاحتقان بباب سبتة الذي حصد شهيدات البحث عن لقمة العيش الكريم، أم أن باب الموت سيبقى مفتوحا يحصد مزيدا من الضحايا.
عبدالحق بن رحمون



















