النزاهة هي النزاهة مهما كانت صغيرة – مقالات – ثامر مراد
كثيراً مانسمع عن النزاهة ومفهومها اللغوي والعملي في الحياة. النزاهة في اللغة تعني إبتعاد الشخص عن كل ماهو مكروه وقبيح وتعني أيضاً سمو ألأخلاق عن طريق ألأستقامة وعدم التحيز حينما يتعلق ألأمر بأصدار أي حكم مهما كان صغيراً أو كبيراً. النزاهة في المجتمع تعني خلو ذلك المكون ألأجتماعي من عناصر الفساد مهما تنوعت أشكالها. الدافع الذي حفزني للتطرق الى هذا المفهوم ألأخلاقي الكبير هو حادثة بسيطة حدثت أمامي قبل يوم واحد من كتابة هذه الكلمات جعلتني أتأمل الواقع المرير اذي يمر به العراق في هذا الزمن من عدم وجود نزاهة في كل مرفق من مرافق الدولة مهما كانت متقدمة أو بسيطة. حينما جن الليل وإختفت المخلوقات البشرية من الشارع الذي يمر من أمام دكاني البسيط , تقدم شخص بدت عليه علامات ألأنهاك من يوم عملٍ مضن. ألقى التحية وهو يقدم لي ورقة نقدية صغيرة -الف دينار عراقي- ويخبرني بأنه وجدها على بعد 20 متراً من محل وجود الدكان وإعتقد بأنها سقطت من أحد ألأطفال أو ألأشخاص الذين قدموا للتبضع قبل ساعات. نظرتُ إلية بذهول ولم أعرف عن أي شيء يتحدث. أخبرته عن الشيء الذي يتحتم عليَّ فعله. أخبرني أنه لايستطيع أن يأخذ تلك الورقة معه الى البيت لأنها تعود الى شخص ما كان قد فقدها ولايمكن أن يضعها مع نقوده في محفظته. وماذا عساني أن أفعل أنا؟ أنا ألآخر لاأستطيع أن أمزجها مع وارد الدكان اليومي لأنها لاتعود لي. على أيةِ حال سلمني إياها وهو يشعر من أن هماً كبيراً قد زال عن صدرهِ الى ألأبد.علقت الورقة النقدية الصغيرة على حافة شباك الدكان البسيط أنظر إليها بين الحين وألآخر كمن ينظر الى جثةٍ مجهولة الهوية. كلما جاء شخص للتبضع ينظر إليها ويحاول أن يستفسر عن سر وجودها هنا؟ وأخبرة عن الحكاية. يهز رأسه ويتركها في مكانها. الموضوع ليس موضوع ورقة نقدية بسيطة لكن ألأمر يقودنا الى مباديء حياتية لو إتبعناها لعشنا من أغنى ألأغنياء على هذا الكوكب. راح ذهني بعيداً الى أؤلئك ألأشخاص الذين يغتصبون حقوق ألآخرين بكل صلافة وكأنها أصبحت مباديء للتعبير عن الشجاعة الرجولية في زمن الخوف المنتشر في كل مكان من أرض العراق.
كيف يستيطع أن ينام وزيرا الصناعة والتجارة وهما سرقا ملايين الدولارات من أموال الشعب ؟ كيف يستطيعان النوم؟ والشيء ألآخر ينسحب الى بقية المسؤولين الكبار والصغار. كيف يستطيع محقق معين في دائرة أمنية أن يأخذ – دفاتر- من ناس مقابل إطلاق سراحهم؟ كيف يستطيع وزير دولة كبير أن يأخذ أكياس من الدولارات وهو يعرف أنها حرام؟ معادلة أصبحت مرعبة حقاً لاتمت الى ألأنسانية باي صفة. هذا البلد الكبير – العراق- الغاص بالخيرات في كل مكان لكن ضياع النزاهة في التعامل اليومي جعلنا نتعرض الى ضياع كل شيء لا بل الى قطع رواتبنا في ألأشهر القليلة القادمة. هل هذا يعقل؟ حقاً أن النزاهة في الحياة تجلب لنا الحياة الحرة الكريمة.



















