ذكرياتي 92
الكرنفال المندائي الكبير – نصوص – عبدالرزاق عبدالواحد
احتفل الصابئة المندائيون عام 2001 بصدور كتابهم المقدس بحضور رئيس المجلس الوطني انذاك الدكتور سعدون حمادي ورعاية الرئيس الروحاني الأعلى للصابئة المندائيين في العراق وحضور جمع غفير من رجال الدين الأفاضل ، ورجال السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي في العراق ، وكبار الفنانين والأدباء والمثقفين ، وعدد كبير من أساتذة الجامـــــــــعات العراقية …
أقام الصابئة المندائيون في معبدهم ” المندى ” أكبر احتفال عرفه تاريخهم المعاصر بمناسبة صدور الترجمة العربية لكتابهم المقدس ” الكـنزا ربّـا ” – الكنز العظيم – بعد أكثر من خمسة آلاف سنة من الانغمار في غياهب المجهول .
لقد بقيت الديانة الصابئية – وهي أولى الديانات الموحدة في التاريخ – سراً لا يعرفه إلا أهله ، وإلا القلة من المهتمين بالديانات القديمة ، والعارفين باللغة الآرامية ، ذلك أنهم – ولخمسة آلاف سنة – ظلوا يمارسون طقوسها بلغتهم المندائية ، التي هي إحدى بنات الآرامية الأربع : العربية ، والسريانية ، والعبرية و المندائية . ولم يجدوا طوال هذا الزمن من حاجة إلى ترجمتها ، لمعـرفة أبناء الطائفة بلغتهم من جهة ، ولعدم ملائمة ظروفهم للأقدام على هذا العمل .
وحـدث الحدث الكبير .. واجتمعت كل الدوافع .. وتهيأت كل الظروف المواتية لكي يقدموا على هـذه الخطوة الكبيرة ، والنقلة الحاسمة في حياتهم :
كان أول الدوافع أن أبناء الطائفة ما عادوا يعرفون لغتهم ، ولا يتكلم بها منهم إلا نفر قليل ، فصاروا لا يعرفون عن دينهم إلا ما يسمعونه من رجال الدين .وكان الدافع الثاني ابتعاد المغتربين من أبناء الطائفة حتى عن لغتهم العربية ، بالإضافة إلى ابتعادهم عن أجواء طقوسهم المندائية .. والشعور المتنامي لدى مثقفي المـندائيين ، والمسؤولين في مجالس طائفتهم ، بضرورة المحافظة على ارتباط هؤلاء المغتربين بينهم ، وبوطنهم ، وبلغتهم العربية .. ولن يكون ذلك إلا عن طريق ترجمة كتابهم المقدس إلى اللغة العربية ليشدّهم إليه .
وكان الظرف المواتي الأكبر روح التسامح الديني ، والرعاية التي شملتهم بها الحكومة انذاك وأجهزتها المختلفة ، وعلى رأسها رئيس الجمهورية انذاك صدام حسين ، وما أولاه من رعاية للديانات السماوية جميعاً في وطننا العزيز .كل ذلك .. وما تهيأ من وسائل التنفيذ – مادية ومعنوية – ، وضع مشروع الترجمة ، على صعوبته ، قيد التنفيذ .استغرق العمل قرابة ثلاثة أعوام : عامين قام خلالهما أكبر أساتذة الآراميات في جامعة بغداد بترجمة الكتاب ترجمة حرفية من لغته الأم – المندائية – إلى اللغة العربية ، مقارنين ترجمتهم بتراجم أخرى للكتاب كانت قد سبقتهم إلى الألمانية والإنكليزية .. معتمدين على أوثق مخطوطتين للكتاب المقدس بلغته المندائية .ولمدة عام وأربعة أشهر عكف على صياغة الترجمة بأبهى ما وصلت إليه لغته العربية العالية من فخامة .
قـلّ أن يشهد الإنسان مكاناً بهيجاً كالذي كان عليه مندى الصابئة في ذلك اليوم – السابع من شهر كانون الثاني عام 2001 – . لقد زيـّن المعبد بكرنفال من الزهور والأنوار حتى لا تكاد ترى جدرانه من خلالها .. ووقف على جانبي مدخل قاعته الكبرى صفّان من الأطفال – بنات وأولاد – بملابسهم الدينية البيض ، يقدمون وردة لكل زائر .. ووقفت مجموعة من الصبايا يعلّـقن وسام (الكنز العظيم ) في صدر كل داخل إلى القاعة .كان الداخل إلى الاحتـفال يمّر – قبل دخوله إلى القاعة – بمعرض الكتب المندائية .. ثم بمعرض كبير عرضت فيه جميع مراحل ترجمة الكتاب ، بدءاً بنماذج صفحاته المندائية ، ثم الترجمة الحرفية ، ثم صياغة الكتاب على مراحلها الأربع ، عارضين حتى الأقلام التي سال منها الحبر المبارك على الورق أثناء الصياغة الأدبية للكتاب. أستهل الحفل بتلاوة نص من (الكنزا ربا) باللغة المندائية ، ثم قراءة ترجمته العربية من قبل أحد رجال الدين المندائيين .. أعقبته كلمة رئيس الطائفة التي بارك فيها هذا العمل الجليل .. وهذا اليوم الميمون الذي يشهد فيه العالم لأول مرة خفايا المندائية ، الديانة الموحدة الأولى في التاريخ .. أعقبته كلمة رئيس لجنة الترجمة ، ثم كلمة المترجم الأول الأستاذ الدكتور يوسف قـوزيد كلمة قال عنها الحضور أنها كانت قصيدة ولم تكن خطاباً ، قرأت بعدها نصاً من الكتاب المقدس ، بخشوع هيمن على القاعة كلها .
بعدها جرت مراسم تكريمي ( وسـام الآس ) وهو أعلى وسام مندائي ، مع شهادة الطائفة الشرف المندائية ، وهي أعلى شهادة تمنحها الطائفة لأهلها .وقد حضرت الاحتفال أجهزة التلفزة والصحافة من جميع أنحاء العالم .
ملاحظة : ساهم في تـرجمة الكتاب المقـدس الأستاذ الدكتور صبيح مدلول السهيري .. أما لجنة الترجمة العليا فقد تشكلت من السادة : بشيرعبد الواحد يوسف ، و حمودي مطشر تقي ، و داخل يوســـف عماره ، ونزار ياسر صـــــكر . نص كلـــــمتي في الاحتـــــفال : كلَّ كتابة صعبة حين يكون كاتبها جاداً .. ولكن ، قد يخفف من صعوبتها أن يكون كاتبها صاحبها .. أي أن تكون كتابته من بنات أفكاره ، ذلك أنه يملك عندئذ مساحة فسيحة للحركة فيها . ويصعّـبها أن يكون الكاتب ناقلاً قول غيره ، ترجمةً ، أو اقتباساً ، أو تضميناً.. لأن ذلك يفرض عليه محـدودية كبيرة في التصرف ، والتزاماً أدبياً وأخلاقياً في النقل .. والتـزاماً علمياً مسؤولاً أيضاً . فكيف إذا كان القـائل هو الله سبحانه وتعالى ؟ .. وإذا كان القول قد وقع بلغة أخرى ؟ .. ثم ، إذا كان قد مضى عليه آلاف السنين ، ووضع موضع كثير من التساؤلات ؟!
يوم عرضت عليّ اللجنة العليا لترجمة كتابنا المقدس ” كنزا ربّـا ” مبارك أسمه ، أن أتولّـى إعداد الصياغة الأدبية لترجمته ، اعتذرت عن النهوض بهذه المسؤولية الكبيرة . اعتذرت بكثرة مشاغلي ، وبصعوبة وخطورة ما أنا مقدم عليه . وحين عاودت اللجنة عرض الأمر عليّ بعد زمن – وكنت قد فكرت خلال ذلك بالأمر سائلاً نفسي : إن كنت أنت تتهـيّب ذلك يا عبد الرزاق عبد الواحد .. فمن سيقدم عليه ؟ – قـبلت المهمة ، على صعوبتها ، وعلى خطورتها ، وعلى عظم المسؤولية فيها . قبلتها لسبب قد يبدو غريباً : لقد خشيتُ من المستسهلين والمتساهلين . خشيت أن يخرج هذا الكنز المقدس إلى العالم بعد آلاف السنين من التساؤل ، والترقب ، والشك ، وحتى الأتهـام .. خشيت أن يخرج بشكل يبّـرر كل تلك التساؤلات .. لذا كان علىّ أن أقبل التكليف .. وقبلته !
ليلـتها ، بدأ في حياتي عهد جديد . لست أقـول ذلك مبالغةً ، ولا إثـارةً .. ولا مـنّاً على الكتاب و أهله ، بل هم الذين يمنون علىّ أن كلفوني بهذه المهمة التي صارت شرف عمري كله .. ومجـد كتابتي كلها .
وشـرعت بقـراءة الترجـمة .
مـراراً قرأت الكتاب ، وأنا أحاول أن أجد المنفذ الأبداعي للدخول إليه , أمـا المنفذ الروحي فأنا أملكه بحكم كوني إنساناً مندائياً عاش مناخ الطقوس المندائية ، وترعرع فيه منذ يوم ولادته .
أعـترف الآن أن هذا المنفـذ النفسي ، الروحـي ، كان هو دلـيلي .. وكان هو مـرشدي ، ومفجّـر الأبـداع في كل جملة من جمل الكتاب أعدتُ صياغتها ، متحسساً بأنامل روحي طريق الدخول إليها ، ومعابر التواصل بين مفرداتها .. بين كل تلك الغيوم البيض المعطّـرة .. وغلائل الغموض اللذيذة ، والمثيرة ، والتي كانت تظـلّل الكلمات ، مخـبّئة فيها – بقـدسية باهرة – كنوزها العزيزة .
لقد كان علي أن أركض وراء مساقط الكلمات لا الكلمات نفسها .. وأن أبحث في ظلال الحروف لا في أضويتها التي كانت تـعشي البصر في كثير من الأحيان .
أعترف مرة أخرى ان مندائيتي هي التي أخذت بيدي وسط مهرجان النور هذا . لقد أحسست أن منداد هيي كان معي ، ولم أكـذّب هذا الإحساس لحظة واحدة. في إحدى الليالي كنت منحنياً على الورق في مكتبتي ست ساعات متواصلة دون أن انتبه إلى أنني لم أقف ، ولم أتحرك من مكاني . وحين وقفت فجأة ترنحت وأوشكت على السقوط ، فاتكـأت على سياج مكتبتي ، ونظرت من نافـذتها العريضة المطلة على مجرى دجلة أمامي ، وهتـفت بكل كـينونتي دون صوت : يا منداد هيي .. أمهلني فقط حتى أنجز كتابك هذا ، ولحظة أنتهي منه تجـدني جاهزاً للذهـاب معك .. وسالت الدموع غزيرة على وجـهي ! .
هذه المعـاناة الهائلة هي شـرفي .. وهي كنزي العظيم . سـنة وأربعة أشهر .. وبمعدل خمس ساعات في اليوم .. دون توقف ، ودون انقطاع .. لم أشرك بالكتاب شيئاً :
لا كتبت شعراً ، ولا دراسة ، ولا قرأت شيئاً خوف أن يختـلط بمناخ الكتاب ما يثـلّم رؤيتي فيه .
أتعـلمون أيها السـادة :
سألت نفسي مرة : تفقس بيضتان .. يخرج من إحداهما فرخ بط ، ومن الأخرى فرخ دجاج .. مَـنْ ألهم الأول أنه يستطيع العوم فيركض إلى الماء ويلقي نفسه فيه ؟ . وأخاف الثاني من الماء فهرب منه لأنه لا يحسن العوم فيه ؟ كان ذلك دلـيلي في كـتابتي !انه ميراثي المندائي عـبر آلاف السنين .. به كنت ألتقط لآلئ الكنزا ربا ، غائصاً في مياهها. لم تكن تحملني على أمواجها مقدرتي الأدبية وحدها ، بل هذا الحسّ المـندائي بالمعنى .. حسّ فرخ البط وهو يركض إلى الماء .. وحسّ فرخ الدجاج وهو يهرب من الماء !
لست أدعي أن ما فعلته كان معجزةً . الكـتاب هو المعجزة . وكل ما فعلته أنني وضعته عربياً بين يدي أهله ومحبيه .. وبوضعه كذلك ، وضعت نفسي موضع الرضا عن نفسي ، أنني أنجـــزت في حـياتي شيئاً يعـتز به أولادي ، وتعتز به طـائفتي حتى آخر إنسان فيها .
























