القيمر العراقي – مقالات – ثامر مراد

القيمر العراقي – مقالات – ثامر مراد

يُعتبر القيمر العراقي من أشهر المأكولات الشعبية في العراق وله مكانة محببة في جميع النفوس على مستوى العراق من شمالهِ الى جنوبهِ ومن شرقهِ الى غربه. لايختلف إثنان على روعة ومذاقهِ اللذيذ. يتم تناول القيمر في الفطور الصباحي على وجهِ الخصوص مع العسل أو المربى والكاهي أحياناً حسب رغبة الشخص. يربطني بالقيمر تاريخٌ طويل منذ أن كنتُ طفلاً صغيراً حتى هذه اللحظة. لازلت أتذكر – أم يوسف- العجوز الطيبة وهي تجلس في مكانٍ محدد لاتغيرهُ أبداً عند فرن الصمون الوحيد في القرية في الستينات. منذ الصباح الباكر اسمعُ صوتها ينطلق في سكون الفجر ” كَيمر..كَيمر”. كان قيمر سدة الهندية في محافظة بابل مشهوراً جداً حتى هذه اللحظة. في حرب الثمانينات كان الجنود- وكنتُ معهم- نقف عند مكانٍ محدد في محافظة العمارة- ميسان- ونتناول القيمر اللذيذ قبل أن نواصل رحلتنا الى البصرة حيث وحداتنا العسكرية هناك. كانت بائعة القيمر – المعيدية- حيث يُطلق على بائعات القيمر إسم المعيديات-..كانت تصرخ بصوتٍ رخيم مؤثر تدعو الجنود للشراء من قيمرها ” تعال يل الضارب الغاية” . في باديء ألأمر لم أفهم معنى تلك الجملة التي كانت تكررها طيلة جلوسها. عرفتُ أنها تقصد الجندي المتخلف يوماً كاملاً عن إجازتهِ الدورية الرسمية وكأنها تريد تهدئتهُ بقيمرها اللذيذ. بالفعل كان الجنود يتمركزون حولها يتناولون القيمروالشاي وهم يجلسون على علبٍ من الصفيح – تنكات-. أغلب بائعات القيمر إن لم أقل كلهن يجلسن بالقرب من مخابز الصمون- ألأفران- حيث الناس يشترون الصمون ومن ثم يتوجهون إليها لشراء القيمر. الغريب أن جميع – المعيديات-أو بائعات القيمر يتمتعن بجمال ملحوظ وهذا ماشاهدتهُ بعيني. شاهدت في صباحات أحد ألأيام سيارة سوبر يقودها شاب ويساعد بائعة القيمر على تفريغ – قدور القيمر- لتجلس في مكانها المحدد عند فرن الصمون عرفتُ أنه إبنها.أخبرها أنه سيأتي إليها عند التاسعة والنصف صباحا. يبدأ عمل بائعات القيمر منذ الفجر حتى التاسعة والنصف صباحا. بعض بائعات القيمر يجلبن معهن قنينة – لتر ونصف- من حليب الجاموس وهذا يحدث حينما يطلب منها شخص ما ذلك الحليب حيث يُعتبر غذاءأً مفيداً جداً لكسور العظام. حدث هذا معي مرة حينما إشتريت منها قنينة من حليب الجاموس لعلاج كسور ولدي. من التقاليد المعروفة عند أغلب العوائل العراقية يكون القيمر الفطور الصباحي للعروسين بعد ليلة زفافهما حيث تحمل أم العريس أو شقيقته إناءاً كبيراً من القيمر والعسل كنوع من ألأحتفاء بمكانة العروسين بعد ليلة حافلة بالنشاط من قبل الطرفين.

سألتُ إحدى بائعات القيمر يوماً ما عن كيفية صناعة القيمر وهل نستطيع أن نصنع مثل هذا القيمر في البيت؟ نظرت إليَّ وكأنها تشفق علي ولكنها قالت بثبات وفخر ” يجب أن تُحضّر لتر من الحليب كامل الدسم ونصف لتر من كريمة كاملة الدسم. تمزج الحليب مع الكريمة وتضع المزيج في قدر عميق على نار متوسطة الحرارة ..لاتدع المزيج يغلي أو يفور ولكن يكون قريب من الفوران ثم يُرفع من على النار المتوسطة. بعدها يوضع على نار هادئة جدا لمدة ساعتين. بعدها يوضع في ثلاجة بعد تغطيتهِ وفي الصباح يُصفى الحليب الزائد ، أما الحليب الزائد فيمكن عمل الحليب الرائب منهُ أو إستعمالهِ في عمل الجبن. يجب أن تنتبه الى أن المزيج لايغلي نهائياً وأن ترفعهُ في اللحظةِ التي ترى فيها تكون فقاعات.” بقي أن نقول أن افخر أنواع القيمر هو الذي يُصنع في المناطق الجنوبية من العراق. هناك ملاحظة لاحظتها بنفسي وهي أن كل بائعات القيمر يرتدين الملابس السوداء لم أشـــــاهد واحدة ترتدي ثوباً أحمر أو أي لون آخر ولاأعرف سر هذا التلقيد؟ هل لأنها تكون متواجدة دائما في محيط الرجال أم أن لبس السواد يضفي عليها هيبة ووقار . سألت أحد ألأشخاص عن عدم شرائة القيمر العربي أو مانطلق عليه إسم ” كَيمر عرب” كل صباح مع العلم أنهُ يفضلهُ على أي فطور صباحي آخر فقال” كيف أستطيع شراء القيمر وسعره مرتفع حيث الكيلو الواحد يتراوح مابين 20 الى30 الف دينار عراقي؟ وربما أكثر” .