العلاقات العراقية – المغربية بعد 2003.. الواقع والآفاق١-٣ – مقالات – محمود صالح الكروي

العلاقات العراقية – المغربية بعد 2003..  الواقع والآفاق١-٣ – مقالات – محمود صالح الكروي

المقدمة

إن الحديث عن العلاقات العراقية – المغربية مازال بكرا  لم يحظ بالدراسة المعمقة على مستوى الدراسات العليا في كليات العلوم السياسية في الجامعات العراقية. وإذا القينا نظرة على خارطة العالم الذي نعيش فيه ، اول ما يسترعي انتباهنا ونحن نتحدث عن العلاقات بين العراق والمغرب موقعهما الجغرافي ، فالمغرب يقع في الطرف الغربي من شمال القارة الافريقية على مضيق صغير لا يفصله الا كيلومترات معدودة عن اوربا ويكون ممتدا نحو البحر المتوسط شرقا ونحو المحيط الاطلسي غربا ، فهو موقع ممتاز بما يوفره من امكانات الاتصال والتبادل واستثمار الثروات البحرية، اما العراق فيقع في الطرف الشرقي في اقصى شمال شرق اسيا ويطل على الخليج العربي من الجنوب ويمتلك ثروة نفطية كبيرة جعلته من بين ابرز الدول في الأحتياطي العالمي للنفط ، ويتمتع العراق بموقع جيوستراتيجي مهم جعله من الدول المؤثرة في العلاقات الدولية.

والعراق والمغرب بلدين تجمعهما وشائج الدين واللغة والثقافة والمصير المشترك فهما ينتميان الى العالم العربي الاسلامي وهما الى جانب هذا وذاك جزء من عالم الجنوب ، فضلا عن ذلك ، فأن ما يميز هذه العلاقات بين العراق والمغرب هو غياب طابع الصراع على مر التاريخ الحديث والمعاصر ، وان كان لايخلو من متغيرات ناتجة عن ظرفية معينة قابلة للتطويق ، كما انهما يمثلان قوتين سياسيتين لهما مسؤوليات جيبولوتيكية في منطقة حساسة من العالم ، فضلا عن مجالهما الحضاري واشعاعهما الثقافي المتفرد .

 ومن هذا المنطلق جاء اختيار موضوع البحث ( العلاقات العراقية – المغربية بعد  2003 .. الواقع والآفاق    )، مع الإشارة إن الباحث واجه صعوبة فرضت نفسها على التحليل في هذه الدراسة وفي مقدمة ذلك ندرة المصادر وغياب الوثائق الخاصة بها ، كل ذلك حصر التحليل في المصادر التي أمكن الحصول عليها . لذلك سوف يرى القارئ المتابع والباحث المتخصص انه على رغم من وجود رؤى مشتركة واضحة في المعالجة ،إلا انه لايمكن القطع بأن هذه المعالجة قد غطت كل الجوانب ، آملا أن تسهم هذه الدراسة مع غيرها من الدراسات في الكشف عن طبيعة هذه العلاقات وما تميزت به . وان يكون ذلك مقدمة لدراسات أكاديمية عليا مستقبلا  .

مقاربة تاريخية سياسية

العلاقات العراقية – المغربية عريقة الجذور ، متعددة الوجوه ، غنية بعطاءاتها ومكاسبها القديمة

1-12

والحديثة . الا إنها في التاريخ المعاصر فقد تجددت  في مرحلة الكفاح الوطني لشعب المغرب ونضاله من اجل

التحرر والاستقلال من الاحتلال الفرنسي ” 1912 – 1956″  إذ  كان للعراق مواقف مشهودة في الدعم المعنوي والمادي وبالسلاح للمقاومة الوطنية المغربية منذ منتصف عقد الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين ، فضلا عن الموقف المساند للحكومة العراقية ممثلة بوزارة الخارجية في اجتماعات الجامعة العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز منذ التاريخ أعلاه أيضا . وقد تبنى ممثل العراق في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة الراحل الدكتور محمد فاضل الجمالي عرض قضية المغرب وتونس على جدول أعمال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز للمطالبة بأستقلالهم 1)). وبعد استقـــــــلال المغرب في 3/ 3/1956   أعلن العراق مبكرا  تأييده واعترافه بالمملكة المغربية وكان من أوائل الدول . وفي  26  أبريل – نيسان /  1956  أعلن في المغرب تأسيس وزارة الشؤون الخارجيــــة المغربية ((2 .  وعزز العراق هذا الأعلان  بتعين السيد عبد الغني الدلي ، أول سفير  “عراقي وعربي ”  تم اعتمد لدى المملكة المغربية بعد استقلالها ، ويعد رابع سفير في المغرب من بين سفراء العالم ، إذ  لم يسبقه الى المغرب غير سفير اسبانيا وبريطانيا وبلجيكا ، حيث اسس السفارة العراقية في الرباط عام 1956  كما قام العراق على اثر ذلك بتأسيس دار المعلمين في مدينة فاس عام 1958 لتعليم اللغة العربية كنوع من التعاون الثقافي ((3 .

وكان اول وزير عربي قدم التهاني بأسم العراق ملكا وحكومة وشعبا الى الملك محمد الخامس بعد عودته من منفاه18   / 11/1955 الاستاذ عبد المجيد محمود الوزير في المملكة العراقية ولم يمض على وصول الملك محمد الخامس سوى عشرة ايام الى عاصمة بلاده ، وقد قلد الملك عبد المجيد محمود الوسام العلوي الشريف وكان أول وسام يقلد لاول عربي يزور الملك في عهد الاستقلال ,, وعد أول وفد عربي وأجنبي يزور المغرب المستقل ، ووجه الملك محمد الخامس الدعوة لملك العراق فيصل الثاني لزيارة المملكة ، وفعلا تم قبول الدعوة ، وكان أول زيارة لملك عربي للمغرب بعد الاستقلال عام 1956  وكان الهدف من الزيارة تقديم التهاني بمناسبة عودة الملك محمد الخامس من المنفى واعلان الاستقلال (4 ). وكانت بغداد أول محطة رئيسية لأول جولة قام بها الملك الراحل محمد الخامس في 31/1/1960 وحظي بأستقبال رسمي وجماهيري كبير ورفعت شعارات ترحب بزيارته ((5 وكان الهدف غير المعلن من وراء الزيارة هو التوسط لدى الحكومة العراقية لتبديل حكم الاعدام بحق الدكتور محمد فاضل الجمالي والعمل على اطلاق سراحه ، وكان للملك محمد الخامس ما أراد بعد الحوار والتوسط لدى الحكومة العراقية ، وأستبدل حكم الاعدام بحكم أخر ، واطلق لاحقا سراح الجمالي وسافر الى لبنان بتأشيرة سفر ثم سافر الى سويسرا للعلاج ومن هناك استدعاه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وعينه مستشار سياسياً له ، واستاذا في الجامعة التونسية ( (6 في اثناء مراسم الزيارة أهدى العراق للمغرب رفاً من احدث الطائرات العصرية المقاتلة التي وصلت العراق بعد ثورة  14تموز 1958 مع جميع اسلحتها ومعداتها وادواتها الاحتياطية الكافية ، مع الأعراب عن استعداد القوة الجوية العراقية بالقيام بتدريب طياري سلاح الجو المغربي عليها ، وعند وصول الطائرات العراقية للمغرب طلب الملك محمد الخامس من الجانب الامريكي اخلاء القواعد الامريكية من الاراضي المغربية ، وفعلا تحقق اخلاء القواعد الجوية الامريكية من الاراضي المغربية ، وبذلك اسهم العراق في تحرير المغرب وتمتعه بالسيادة((7.

2-12

بعدها سافر الملك محمد الخامس الى مصر للقيام بدور الوساطة بين العراق ومصر نتيجة التوتر الذي كان قائما بينهما ((8.

وبهذا الجهد الوطني المخلص أستمرت العلاقات العراقية – المغربية  منذ ذلك التاريخ في التطور والرقي والتقنين ، وتميزت بطابعها السلمي الامر الذي انعكس على المبادلات الثقافية والتجارية والاقتصادية بطريقة ايجابية رغم التباعد الجغرافي بين البلدين  وتوثيق عرى الصداقة في المجالات المختلفة حتى عام 2003 (9). في مفهوم السياسة الخارجية   تتعدد تعاريف السياسة الخارجية بتعدد المفكرين والباحثين في الموضوع اولا ، ثم بأختلاف المدارس التي ينتهجها كل فريق من هؤلاء ثانيا ، فقسم يذهب الى تعريف السياسة الخارجيه بأنها :- ( ذلك السلوك السياسي الخارجي ، بمعنى ” الفعل ” ، المتخذ من قبل دولة ما مقابل العالم الخارجي ، والهادف نحو تحقيق غرض وفي وقت معين (10 ). بينما يعرفها اساتذة آخرون بأنها :-  الخطة التي ترسم العلاقات الخارجية لدولة معينة مع غيرها من الدول 11)). اما  كارل دوتش :- فيرى ان السياسة الخارجية تعالج لكل دولة أولا المحافظة على استقلالها وأمنها ، وثانيا السعي وراء مصالحها الأقتصادية وحمايتها ” خاصة مصالح المجموعات القوية النفوذ ” ، كما تعالج في حالة الدول الكبرى على الاقل الى جانب ماتقدم الاهتمام بمقاومة اي اختراق او تدخل من جانب اي دولة او عقائد خارجية ، والمحاولات السافره لتحقيق بعض الاختراق النشيط او التدخل في شؤون الدول الاخرى 12)). فيما يرى أخرون السياسة الخارجية بأنها وسيلة لضبط المحيط الداخلي والرفع من مصادر شرعية النظام السائد (13 ).

من البديهي القول ، ان الدول لا تعيش في فراغ بمعزل بعضها عن البعض الاخر ، انما هي في تفاعل مستمر مع بعضها البعض ، وهذا التفاعل قد يتخذ شكلا ايجابيا او سلبيا ، ان كل دولة تحاول قدر المستطاع ان تخفف من حدة الافعال السلبية تجاهها وبالتالي زيادة الافعال الايجابية المحققة لمصالحها في المحيط الدولي.

منطلقات ومرتكزات السياسة الخارجية العراقية – المغربية .

تبقى السياسة الخارجية العراقية  رغم كل المؤثرات الداخلية والخارجية مرهونة صياغتها النهائية  بالسياسة  العامة للدولة التي حددها دستور 2005   إذ جاء في المادة الثامنة منه : ” يرعى العراق مبدأ حسن الجوار ، ويلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ، ويسعى لحل النزاعات بالطرق السلمية ، ويقيم علاقاته على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل ، ويحترم إلتزاماته الدولية ”  ؛ أما المغرب فأن السياسة الخارجية  تعود الى الملك الذي هو وحده يملك السلطات والامتيازات التي تسمح له بطبع السياسة الخارجية المغربية بفلسفته ، اما المؤسسات السياسية الرسمية فأنها تتفاوت في ما بينها في درجة ونسبة الاسهام في عملية صنع وتنفيذ السياسة الخارجية المغربية 14)). لذلك فأن تأثير متغيرات البيئة الداخلية على توجه السياسة الخارجية المغربية يبقى ضعيف نسبيا أمام السلطات الواسعه للملك في هذا المجال ، لكن المؤثرات الخارجية ازدادت اهميتها مع التحولات التي شهدتها التوازنات الدولية مع نهاية القرن العشرين وبداية الالفية الثالثة ، ففي عصر الاعتماد المتبادل والعولمة لايمكن ان تظل السياسة الخارجية لاي دولة في منأى عن التأثيرات الخارجية ولاسيما دول عالم الجنوب والعراق والمغرب منها .

3-12

و السياسة الخارجية المغربية إزاء المحيط العربي لم تنغلق داخل تصور ايدلوجي محدد ، بل استندت في صياغة اختياراتها على جملة من المحددات ازاء محيطها العربي في المقدمة منها ان المغرب دولة عربية اسلامية وهو امر متجذر في الوجدان العربي 15) ). وقد سعى الملك الحسن الثاني ، لاسيما بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر  الى محاولة الأضطلاع بدور الزعامة في النظام العربي . إلا أن أفتقار المغرب للمقومات الاساسية وفي مقدمتها المقومات الاقتصادية التي تؤهله لأحتلال مركز الزعامة العربية جعلت دوره النشيط ينحصر في القيام بمهمة الوساطة أو التأثير التي أظهرته كطرف محاور بارز ليس إلآ 16)).  وضمن هذه الرؤية كان الملك الراحل الحسن الثاني يعطي للعلاقات العربية الجزء الاكبر من اهتمامات السياسة الخارجية المغربية ، لذلك كان دور المغرب فعالا على الصعيد العربي او الاسلامي من خلال القضية المركزية ( القضية الفلسطينية ) ودور المغرب في المفاوضات الثنائية بين الطرفين او من خلال استقبال العدد الاكبر من مؤتمرات القمم العربية والاسلامية .

وفي هذا السياق تميزت السياسة الخارجية للعراق والمغرب بميزات عدة وهي :- ((17

–  الانفتاح .

–  التعاون والحياد .

– عدم التدخل في شؤون الآخرين .

– قضية الصحراء

– التنمية والاستثمار

– مكافحة الارهاب

– محاربة تجارة المخدرات والهجرة السرية

– تحسين صورة حقوق الانسان .

– الانخراط الجاد في عملية التحول الديمقراطي .

كذلك فأن للملك مركزية في السياسة الخارجية المغربية ليس كفاعل فقط وانما كمحدد من محدداتها ايضا مثلا القرارات المصيرية المتعلقة بالصحراء وايضا التحرك المغربي في ازمة الخليج الثانية ، حيث يحتكر الملك اتخاذ القرارات المصيرية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية  المغربية ومنها تجاه العراق . اما السياسة الخارجية في عهد الملك محـــمد السادس 23/7/ 1999 –    (18)  فأنها تأخذ بالحسبان ان اي تحرك او أجراء ازاء العراق ينبغي ان لا يقلق الحليف الامريكي ، فضلا عن أن المغرب ينطلق من واقعية تنسجم مع اختياره للسلم والحوار والتعاون كأساس للعلاقات الدولية ، وهذا يؤكد ان احسن سياسة خارجية هي سياسة داخلية حسنة 19)).

4-12

كما ان السياسة الخارجية للعراق تتفق كثيرا في بعض الاحيان مع المغرب في تشخيص أبعاد السياسة الدبلوماسية لكلا البلدين من خلال (20)_:-

1-البعد القومي العربي .

2-البعد الافريقي .

3-البعد الاسلامي.

4- البعد الاوربي .

5- البعد الدولي.

6- البعد الامريكي بكونه المتحكم في العالم.

العلاقات العراقية  المغربية  بعد عام 2003

بعد عام  2003    حدث تحول سياسي كبير في العراق ، الا وهو تغيير النظام السياسي فيه ، وما رافقه من تطورات أنعكست سلبا على علاقاته الدبلوماسية العربية والدولية ؛ الأمر الذي  شكل منعطفا جديدا في مرتكزات وأساسيات السياسة الخارجية العراقية ، وأستمر هذا الحال حتى صدور دستور 2005   إذ أصبحت  الدبلوماسية العراقية تنطلق فيما بعد  من مبادئ الدستور الجديد  ، والتي تتضمن انتهاج العراق خطاً معتدلاً في سياسته الخارجية وفي علاقاته مع دول العالم بما يضمن تعاوناً قائماً على تعزيز مصلحة العراق وشعبه وشعوب العالم وضمان عودته للأسرة الدولية وممارسة دوره الذي يتناسب مع أهميته الستراتيجية والحضارية ، وإزاء هذا الحال  ادخل العراق في استحقاقات سياسية جديدة في علاقاته العربية والدولية وضعت العراق أمام تحديات التكييف السياسي مع الواقع الجديد والعودة لبناء علاقات خارجية جديدة طبقا للمتغيرات الداخلية التي فرضت على البيئة الاقليمية والدولية ، وفيما يتعلق بالعلاقات العراقية المغربية فأن ظروف الاحتلال الامريكي للعراق في 9 / 4 / 2003 لم تسمح له بتهيئة علاقاته الدبلوماسية ، ترافق ذلك وتصاعد العنف الداخلي في مدن العراق الامر الذي انعكس على عدم القدرة على استمرار التعاون العراقي المغربي الذي كان يتميز بالتفرد في التعاون . في خضم هذه المرحلة كان المغرب يتطلع الى استتباب الامن في العراق واستعادة سيادته .

لكن المغرب لم يكن بعيدا عن تطورات الاوضاع السياسية في العراق وانما كان متابعا لها ، اذ رحب المغــــــــــرب في 9 / 3 / 2004   بتوصل مجلس الحكم الانتقالي بالعراق الى العمل من اجل اقرار دستور مؤقت ، وأعرب المغرب عن أمله بأن تسهم هذه الخطوة على طريق انتقال السيادة الى الشعب العراقي (21 ). وهو بذلك يدعم العملية السياسية في العراق ويحترم خيارات الشعب العراقي والمحافظة على امنه وأستقراره.