الطلبة غير خاضعين للتقنين

د. فاتح عبدالسلام

نزول‭ ‬الطلبة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬ميدان‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬بثقل‭ ‬كبير،‭ ‬سيكون‭ ‬بداية‭ ‬التصعيد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬ابتدائية‭ ‬سابقة‭. ‬والحركة‭ ‬الطلابية‭ ‬العفوية‭ ‬التي‭ ‬تتدفق‭ ‬إلى‭ ‬الساحات‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬وجنوب‭ ‬البلاد‭ ‬هي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الردود‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭ ‬يدعي‭ ‬احتكاره‭ ‬للشارع‭.‬

لقد‭ ‬تحولت‭ ‬حركة‭ ‬الاحتجاج‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬تترسخ‭ ‬بالساعات‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬العراقيين‭ ‬وصدورهم‭ ‬،‭ ‬وتلك‭ ‬القضية‭ ‬الأكبر‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستيطع‭ ‬أن‭ ‬تحتويها‭ ‬أية‭ ‬إجراءات‭ ‬سلطوية‭ ‬أمنية‭ ‬أو‭ ‬حكومية‭ ‬عند‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬جديدة‭ . ‬

كما‭ ‬انّ‭ ‬الفساد‭ ‬كان‭ ‬جزءً‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬التكوين‭ ‬السلطوي‭ ‬والسياسي‭ ‬،‭ ‬فإنّ‭ ‬الاحتجاج‭  ‬هو‭ ‬ثقافة‭ ‬لها‭ ‬رؤى‭ ‬مستنبطة‭ ‬من‭ ‬الأدنى‭ ‬صعوداً‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬،‭ ‬ثقافة‭ ‬يفهمها‭ ‬الجميع‭ ‬ويضيفون‭ ‬إليها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جديداً‭ ‬،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬انها‭ ‬ترفل‭ ‬بدماء‭ ‬مئات‭ ‬الشهداء‭ ‬وآلاف‭ ‬الجرحى‭ ‬ومحاطة‭ ‬بأبواق‭ ‬السلطات‭ ‬المختلفة‭ ‬الكاذبة‭ ‬والمزيفة‭ .‬

التصعيد‭ ‬الطلابي‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتقنين‭ ‬،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬للسلطة‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخ‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬الحديثة‭ ‬لوجدت‭ ‬انّ‭ ‬الطلبة‭ ‬دائماً‭ ‬هم‭ ‬رأس‭ ‬الانتفاضات‭ ‬الشعبية،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تحريك‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬الرفض‭ ‬للظلم‭ ‬وتعضيد‭ ‬مسيرة‭ ‬التحدي‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬المنطقة‭ ‬الخضراء‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬فهمها‭ ‬تماماً،‭ ‬ربما‭ ‬تحت‭ ‬تطمينات‭ ‬خارجية،‭ ‬وهذا‭ ‬خطأ‭ ‬استراتيجي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬اليومية‭ ‬،‭ ‬لأنّ‭ ‬تاريخ‭ ‬الضمانات‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬مطبوع‭ ‬بوصمة‭ ‬نكث‭ ‬الوعود‭ ‬وتقلّب‭ ‬المصالح‭ .‬

الميدان‭ ‬الذي‭ ‬يشغله‭ ‬الطلبة‭ ‬المحتجون،‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬اختراقه‭ ‬بالألعاب‭ ‬السياسية‭ ‬البهلوانية‭ ‬،‭ ‬لأنّ‭ ‬الطلبة‭ ‬هم‭ ‬النموذج‭ ‬الأمثل‭ ‬والأصلح‭ ‬لتطبيق‭ ‬الشعار‭ ‬المرفوع‭  ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬بشأن‭ ‬الإقفال‭ ‬على‭ ‬القضية‭.‬

رئيس التحرير- الطبعة الدولية

fatihabdulsalam@hotmail.com