الشائعة والتكنولوجيا

عبدالحق بن رحمون

الشائعة‭ ‬فيروس‭ ‬قديم،‭ ‬ولازال‭ ‬ينتشر،‭ ‬ويقتات‭ ‬منه‭ ‬المعتوهون،‭ ‬والمرضى‭ ‬النفسيون،‭ ‬وكلما‭ ‬زاد‭ ‬مفعول‭ ‬وحجم‭ ‬انتشار‭ ‬الاشاعة،‭ ‬إلا‭ ‬وتجد‭ ‬مروجيها،‭ ‬يتلذذون‭ ‬بإساءتهم‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬وإلى‭ ‬المقربين‭ ‬منهم،‭ ‬بوجه‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مكشوف‭.‬

والاشاعة‭ ‬لها‭ ‬مختصون‭ ‬في‭ ‬صناعتها،‭ ‬ويعهدون‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬وكلائهم‭ ‬لنشرها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتفننوا‭ ‬فيها‭ ‬لنشرها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬والمكان‭ ‬المناسبين‭ .‬

وهي‭ ‬صناعة‭ ‬متطورة،‭ ‬وبحسب‭ ‬المناسبات‭ ‬تصنع‭ ‬بدقة‭ ‬للتأثير‭ ‬بفعالية‭ ‬على‭ ‬المستهدفين،‭ ‬الذين‭ ‬يتناولونها‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬عصير‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تحليل‭ ‬مكونات‭ ‬الخبر‭ ‬ومصدره‭ ‬وأهدافه‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وكلما‭ ‬كان‭ ‬النفاق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مستشريا‭ ‬إلا‭ ‬ووجدت‭ ‬الاشاعة‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الانتشار،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الأيام‭ ‬يتحول‭ ‬خبر‭ ‬الاشاعة‭ ‬إلى‭ ‬معطى‭ ‬للتصديق‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬وضع‭ ‬جهاز‭ ‬اختبار‭ ‬الكذب‭.‬

كما‭ ‬شكلت‭ ‬الإشاعة‭  ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬أداة‭ ‬للحروب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والقبائل،‭ ‬والأسر‭ ‬والأفراد،‭ ‬و‭ ‬دفعت‭ ‬البشرية‭ ‬ثمنا‭ ‬باهظا‭ ‬لدحض‭ ‬الاشاعات‭ ‬وتكذيبها،‭ ‬ومن‭ ‬أجلها‭ ‬سالت‭ ‬دماء‭ ‬كثيرة،‭ ‬واختفت‭ ‬حضارات،‭ ‬وظهرت‭ ‬حضارات‭ ‬أخرى،‭ ‬والتاريخ‭ ‬أحيانا‭ ‬لايوضح‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬صادقا‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬باطل،‭ ‬لأن‭ ‬المؤرخ‭ ‬وناقل‭ ‬الأحداث‭  ‬يكون‭ ‬مدونا‭ ‬للغالب‭ ‬المنتصر‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬المهزومين‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬مظلومين‭ ‬فهم‭ ‬في‭ ‬رأيه‭ ‬إلى‭ ‬الجحيم‭.‬

اليوم،‭  ‬صارت‭ ‬الشائعة‭ ‬موضوعا‭ ‬للخبر‭ ‬اليومي،‭ ‬وذلك‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬الصحافة‭ ‬الكهربائية،‭ ‬التي‭ ‬تشعل‭ ‬الشائعات‭ ‬والتفاهات‭ ‬وتبررها‭ ‬بتخريج‭ ‬العيون‭ ‬واللسان،‭ ‬ويبقى‭ ‬الانسان‭ ‬البسيط‭ ‬يصدقها‭ ‬ويثق‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تحر‭ ‬،وخاصة‭ ‬ما‭ ‬ينشر‭ ‬من‭ ‬فيديوهات،‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة،‭ ‬والطامة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬التفاهات‭ ‬التي‭ ‬تنشر‭ ‬روابطها‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬الصحافة‭ ‬الكهربائية،‭ ‬تتم‭ ‬مشاركتها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬حسابهم‭ ‬بمواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وأحيانا‭ ‬يقع‭ ‬بعض‭ ‬المتنورين‭  ‬ضحية‭ ‬زيف،‭ ‬وصيحات‭ ‬عناوين‭ ‬الأخبار‭ ‬،‭ ‬إما‭ ‬بحسن‭ ‬نية،‭ ‬أو‭ ‬رغبة‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬مشاركة‭ ‬أصدقائهم،‭ ‬وزملائهم‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الموضوع‭.‬

لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬موضوع،‭ ‬تقوم‭ ‬بمشاركته‭ ‬على‭ ‬صفحتك‭ ‬فهو‭ ‬يعبر‭ ‬عنك،‭ ‬وعن‭ ‬توجهك‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تدري،‭ ‬لأنك‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬خبر‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الاصل‭ ‬شائعة‭ ‬وتفاهة،‭ ‬وهنا‭ ‬قانون‭ ‬الصحافة‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬وقد‭ ‬حدد‭ ‬لها‭ ‬عقوبات‭.‬

في‭ ‬الصحافة‭ ‬المهنية‭ ‬والمحترمة،‭ ‬لايمكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬تبني‭ ‬خبر‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬مجهول،‭ ‬يحتمل‭ ‬الصدق‭ ‬والكذب،‭ ‬ومع‭ ‬انتشار‭ ‬أخبار‭ ‬الاشاعة‭ ‬التي‭ ‬تروجها‭ ‬بعض‭ ‬الصحف‭ ‬والمواقع‭ ‬التي‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬ضمير‭ ‬مهني‭ ‬ومتطفلة‭ ‬على‭ ‬الصحافة،‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاعلامية‭ ‬المستقلة،‭ ‬والحكومية،‭ ‬أقساما‭ ‬خاصة‭ ‬لمواجهة‭ ‬حرب‭  ‬الاشاعات،‭ ‬وتحليل‭ ‬الأخبار‭ ‬المشكوك‭ ‬في‭ ‬صدقيتها،‭ ‬ومعرفة‭ ‬من‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ترويجها،‭ ‬والفائدة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ذلك،‭ ‬فاليوم‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلوميات‭ ‬وفرت‭ ‬تطبيقات‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ولم‭ ‬لا‭ ‬تخصيص‭ ‬منصات‭ ‬إعلامية‭ ‬لتكذيب‭ ‬الاشاعات‭ ‬وإطلاع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬عليها‭.‬