الدكتور نشوان سلامة: الطب بين الرسالة الإنسانية واليد التي تضمد الجراح

الموصل – أحمد الحاج

نينوى، هذه المحافظة التي عرفت نبوغ أولى الحضارات عبر تاريخها المتجذر وتحمّلت أوجاع الحروب والاصابات الشوكية والكسور وشظايا القنابل وحرارة الإطلاقات النارية، برز اسم الدكتور نشوان بوصفه نموذجاً للطبيب الذي جمع بين صرامة العلم ورهافة الإحساس. حيث تختبر الأيام معدن الرجال، اختار أن تكون جراحة الدماغ والأعصاب ميدانه، وأن تكون الإنسانية منهجه، وأن يبقى الطب عنده رسالةً أخلاقيةً قبل أن يكون ممارسةً مهنية.

وُلد الدكتور نشوان ياسين سلامة العبيدي عام 1976، وتدرّج في مساره التعليمي بعد أن أنهى المدراس الإبتدائية والمتوسطة والإعدادية الفرع العلمي بتفوق عالٍ جداً، حتى التحق بكلية الطب في جامعة الموصل (1994–2000)، حيث نال شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة العامة.

ومنذ سنواته الأولى، بدا واضحاً أن اهتمامه لا يقتصر على اجتياز المناهج، بل يتعدّاها إلى بناء شخصيةٍ طبيةٍ راسخة؛ شخصيةٍ تُحسن الإصغاء كما تُحسن التشخيص، وتفهم الإنسان كما تفهم المرض.
مسار التكوين العلمي

بعد أن أنهى سلسلة النظام الصحي من إقامة دورية وطبيب تدرج في مستشفيات محافظة نينوى، بدأ الدكتور نشوان حياته العملية طبيباً ممارساً عاماً، وهي مرحلةٌ تمثل في التكوين الطبي المختبر الحقيقي للمهارات السريرية. في هذه المرحلة، تعامل مع طيفٍ واسعٍ من الحالات المرضية، ومن مختلف الأعمار، ما أكسبه رؤيةً شموليةً للجسد الإنساني، وأرسى لديه قاعدةً معرفيةً متينةً في التشخيص التفريقي واتخاذ القرار العلاجي.

غير أن طموحه العلمي دفعه إلى خوض غمار أحد أعقد التخصصات الطبية: جراحة المخ والأعصاب. فالدماغ ليس عضواً كسائر الأعضاء؛ إنه مركز الوعي والذاكرة والحركة والإدراك، وأي تدخلٍ فيه يتطلب دقةً بالغةً، وحساباتٍ لا تقبل الهامش الواسع للخطأ فهو يتعامل مع المراكز العليا للكائن البشري. التحق بالمجلس العراقي للتخصصات الطبية عام 2007، وأمضى سنواتٍ من التدريب المكثف بين الجراحة العامة، والعناية المركزة، والتخدير، وطب الأعصاب، قبل أن يتفرغ للتدريب التخصصي الدقيق في جراحة المخ والأعصاب في الموصل ودهوك، حتى نال البورد العراقي (F.I.B.M.S) عام 2013. ويعد هذا المسار التدريبي ليس مجرد استكمالٍ لمتطلباتٍ أكاديمية، بل كان مساراً لتشكيل عقلٍ جراحيٍّ منضبط، يتعامل مع الصورة الشعاعية كما يتعامل الفيلسوف مع النص؛ يقرأ التفاصيل، ويربط الجزئيات، ويستشرف النتائج.

بين الاستشارة والقيادة

منذ عام 2013، يشغل الدكتور نشوان موقع طبيب اختصاص في مستشفى ابن سينا التعليمي، أحد أهم المراكز الطبية التخصصية في المحافظة، ثم تولّى رئاسة قسم جراحة الأعصاب فيه بين عامي 2020 و2022. وفي عام 2023 مُنح لقب استشاري في جراحة الدماغ والفقرات والأعصاب، تتويجاً لسنواتٍ من الخبرة والعمل المتواصل. والمتتبع لسيرة الدكتورة سلامة يجد فيه إتسام الممارسة المهنية بثنائيةٍ لافتة: الالتزام المؤسسي من جهة، والاستقلال المهني من جهةٍ أخرى. فهو يمارس عمله الاستشاري في المستشفى، حيث يستقبل المرضى منذ الصباح الباكر، ويجري عملياته في يومه المخصص، ممتداً أحياناً إلى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، وفي الوقت ذاته يدير عيادته الخاصة التي اختار أن تكون بعيدةً عن منطق الاستثمار الطبي القائم على تعظيم الأرباح. لقد رفض عروضاً استثماريةً عديدة، مؤمناً بأن الطب إذا انفصل عن بُعده الأخلاقي تحوّل إلى صناعةٍ باردة، تفقد جوهرها الإنساني.

الحقل الجراحي

اتساع الخبرة وعمق التخصص تغطي خبرته الجراحية نطاقاً واسعاً من أمراض الدماغ والعمود الفقري، بدءاً من أورام الجهاز العصبي المركزي، مروراً بالتشوهات الخلقية، ووصولاً إلى الجراحات الوعائية الدقيقة، والملاحة العصبية، والجراحة المجسمة، فضلاً عن علاج الأمراض التنكسية للعمود الفقري مثل الانزلاقات الغضروفية وتضيّق القناة الشوكية وعمليات تثبيت وتعديل العمود الفقري.
إن جراحة الأعصاب، بوصفها تخصصاً عالياً في التعقيد، تتطلب توازناً دقيقاً بين الجرأة والحذر. فالقرار الجراحي لا يقوم على المهارة التقنية فحسب، بل على تقديرٍ أخلاقيٍّ دقيقٍ للمخاطر والفوائد. وفي هذا السياق، تتجلّى شخصية الدكتور نشوان في حرصه على الشرح الوافي للمريض وذويه، وإشراكهم في القرار العلاجي، بما يعكس وعياً عميقاً بمفهوم “الرضا المستنير” كأحد أعمدة الأخلاقيات الطبية المعاصرة.

البحث العلمي والحضور الأكاديمي

لم يكتفِ بالممارسة السريرية، بل انخرط في البحث العلمي، فنشر دراساتٍ تناولت النتائج الجراحية لإصابات الصواريخ الشوكية، وداء الأكياس المائية للدماغ، ومتلازمة النفق الرسغي، في مجلاتٍ طبيةٍ محكمة. وتكتسب هذه البحوث أهميتها من كونها تنطلق من بيئةٍ سريريةٍ عراقية، ما يثري الأدبيات الطبية ببياناتٍ محليةٍ ذات قيمةٍ إحصائيةٍ وعلاجية. كما شارك محاضراً في مؤتمراتٍ علمية داخل العراق وخارجه، من بينها مؤتمرات جراحة العمود الفقري في بغداد والسليمانية وأربيل والموصل، ومؤتمرات دولية في تركيا وباكستان ودبي. وتمثل هذه المشاركات امتداداً لدوره الأكاديمي في تدريب أطباء البورد في مركز الموصل، حيث يسهم في إعداد جيلٍ جديدٍ من جراحي الأعصاب.

أخلاقيات المهنة

في زمن التحوّلات في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتزداد فيه ضغوط السوق على القطاع الصحي، يقدّم الدكتور نشوان نموذجاً للطبيب الذي يتمسّك بأخلاقيات المهنة. فهو يرى في كل مريضٍ حكايةً إنسانية، لا ملفاً رقمياً، وفي كل عمليةٍ مسؤوليةً أخلاقيةً قبل أن تكون إجراءً تقنياً. لذا فضل العمل ضمن المنظومة التعليمية الحكومية، إلى جانب عيادته الخاصة المتواضعة، يعكس التزاماً اجتماعياً تجاه مدينته وأبنائها. فالطبيب، في رؤيته، ليس مجرد اختصاصيٍّ في عضوٍ محدد، بل فاعلٌ اجتماعيٌّ يساهم في ترميم الثقة بين المجتمع والمؤسسة الصحية.

تعد سيرة الدكتور نشوان ياسين سلامة العبيدي ليست سرداً لتواريخ وشهادات فحسب، بل هي تجسيدٌ لمسارٍ علميٍّ وأخلاقيٍّ متكامل. ففي حقلٍ دقيقٍ كجراحة الدماغ والأعصاب، حيث تتقاطع المعرفة بالمسؤولية، والتقنية بالضمير، استطاع أن يرسّخ حضوراً مهنياً متميزاً، وأن يحافظ في الوقت ذاته على جوهر الطب بوصفه رسالةً إنسانية.

وهكذا، تظل تجربته مثالاً على أن التفوق العلمي لا ينفصل عن الالتزام الأخلاقي، وأن أعظم إنجازات الجراح لا تُقاس بعدد العمليات فحسب، بل بعدد الآلام التي خفّفها، والآمال التي أعاد إشعالها في قلوب مرضاه.