الحر والحلم المستديم – ثامر مراد

369

 

 

 

الحر والحلم المستديم – ثامر مراد

هناك احلام تناطح السحاب وتجعل الحقيقة بعيدة جداً عنها ومع هذا وذاك يظل الأنسان يحلم ويحلم حتى تنتهي حياته الى الابد ويتوسد التراب او ينام تحت التراب دون ان يحقق حلماً من احلامه الكثيرة…ولكن في اوقاتٍ أخرى يكون الحلم بديهياً ولاينبغي على الانسان ان يحلمه لان ذلك الحلم هو جزء من حقوقه في هذه الحياة او على ارض البلاد التي يعيش فيها لأن الدولة كفيلة بتحقيقه دون ان يتجشم الفرد عناء التفكير بتحقيق هذا الحلم. عند الصباح كنتُ اجلس بالقرب من شريكة حياتي بعد ان تناولتُ فطوري الصباحي في طقسٍ لاهب كأنني أعيش في فرن من افران الحياة المنتشرة في كل العصور. كان هواء المروحة الساخن يصفع وجهي بنسيمهِ القاتل كما لو انني كنتُ اعيش في صحراء مترامية الاطرف. لا نستطيع ان نُشغّلْ – المبردة – لأن كهرباء مولدة الشارع لاتكفي ومن هنا فعلينا ان نستغني اما عن المجمدة او المبردة والاستغناء عن المجمدة شيء في غاية الصعوبة لأنها مليئة بقناني الماء البارد وفصل الكهرباء عنها شيء يجعلنا ندفع ثمناً غالياً ضمن مسيرة الحياة اليومية.. من هذا المنطلق تقبلتُ تحمل عناء الهواء الساخن من المروحة مقابل الحفاظ على الماء البارد في المجمدة. أي مهزلة تاريخية نعيشها الان في هذا الزمن الصعب وتحكمنا حكومة اسلامية تؤمن بالله واليوم الاخر وتحذرنا من النار وتحدثنا عن نعيم الجنة. قالت شريكة حياتي بالم يعتصر قلبها كأنها تستذكر تاريخاً جميلاً ضاع الى الابد ” في الستينات كانت الكهرباء لاترمش لحظة واحدة في منطقة اسكان غربي بغداد واذا توقفت دقائق قليلة نخرج الى الدربونة كاننا نعيش في مظاهرات صارخة نستغرب حدوث هذا الشيء وتعود الكهرباء بعد لحظات وتعود الجماهير الى بيوتها ..الله على تلك الايام ” . كنتُ اتطلع في وجهها كانني اعيش عالماً من الخيال الجميل. قالت بصوتٍ جميل كمعزوفة رائعة من معزوفات الموسيقار ” ميشيل بيبي. الهادئة ” هل سرحت في خيالاتك التي لاتنتهي كما يحدث بين الحين والاخر ؟ ” . وانا انظر الى حشرة صغيرة ملتصقة في سقف الغرفة الملتهبىة بحرارة العذاب وحسرات الاحلام التي لاتزول عن خاطري الممزق قلت لها بصوت يشكو الظمأ لأحلام بعرض البحر وبُعد السماء ” ..في منتصف الستينات وصلت الى قريتنا الكهرباء وكانت حدثاً لايمكن وصفه ابداً..كان – عمران – رئيس العمال المكلفين بتوصيل الكهرباء الى قرية – آل عويف – ينتقل من بيتٍ الى بيت من بيوت القرية البعيدة ويقوم بملاحظة مقياس الكهرباء – الميزانية – ويربطها بنفسه وكنتُ مع الاطفال نركض خلفه من بيت الى بيت وكأننا في يوم كرنفال عملاق. كنتُ شاهداً على كل كلمة يقولها في تلك اللحظات العصيبة على كل بيت لأنه احيانا يرفض ان يربط بعض مقاييس الكهرباء لانها تخالف شروط السلامة العلمية ان صح التعبير. كنتُ اسمعه يكرر بين الحين والاخر – غير صحيح هذا الربط يجب تغييره . كان والدي رحمه الله ينتظر قدوم – رئيس العمل اي عمران – في بيتنا الصغير ليسمع قراره الاخير عن كيفية ربط المقياس الكهربائي . كان قلبي الصغير يرتفع ويهبط بخوفٍ وقلق واخشى ان لايوافق – عمران – على ربط الكهرباء وبذلك نتأخر عن هذا الحدث الكبير في تاريخ قرية لازالت تقدس كل القيم والتقاليد الحياتية رغم رحيل اغلب سكانها. كان أبي ينتظر هو الاخر كلام او قرار عمران …وعلى حين غرة قال عمران دون ان ينظر الى أبي من ربط لكم هذا المقياس؟ ” ودون ان ينتظر الجواب قال ” رائع جدا ربط ممتاز ” تنهد والدي الصعداء وشكر رئيس عمال الكهرباء . كان أبي هو الذي اسس كل شيء وربط كل شيء. في اللحظة التي توهجت فيه المصابيح الكهربائية صرخت فرحا وركضت على الطريق الترابي وانا انتزع – دشداشتي – واقفز الى ماء نهر الفرات كأنني احتضن الحياة كلها. اليوم بعد اكثر من خمسين عاما على تلك الحادثة تصبح الكهرباء حلمي الوحيد في هذا الزمن الصعب..اليس هذا بالحلم البعيد ؟ اليس هذا عاراً من العارات التي نعيشها في ظل حكومة اسلامية لاتهتم لشيءٍ اسمه شعبٌ مظلوم..ياله من عار…هذا حلم لايحلمه الا من عاش في ظل بلد سيطر عليه سراقٌ يرتدون ثوب العار.

مشاركة