الجوانب التربوية لإعادة الإرتقاء بالجامعات العراقية – مقالات – صلاح عبدالقادر النعيمي
تعٌد الجامعات العراقية من المؤسسات العلمية والتعليمية العريقة بين جامعات العالم ، ولا سيما على مستوى المنطقة والشرق الأوسط . وقد تأرجح موقع هذه الجامعات خلال العقود الأخيرة ومنذ بداية التسعينيات، بسبب مجمل الظروف التي واجهت العراق بدءاً بالمخططات التي استهدفت إضعاف العراق من خارج الحدود والإجراءات الخاطئة والبرامج المتلكئة التي أبعدت الجامعات عن أهدافها الحقيقية وأقحمتها في خضم التوجًهات السياسية ومتطلبات الحصار والحروب ، فضلا عن حالات الارتباك المرتبطة بالظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لما بعد التغيير في عام 2003. وكانت عمليات تدمير البنى التحتية لأكثر من مرة في السابق وما قامت به قوى الإرهاب والتطرف في محافظات شمال بغداد في المرحلة الحالية أسباباً متراكمة أسهمت في عرقلة مسيرة التطور والنهوض بالتعليم العالي في العراق . إن العودة إلى تنقية أجواء الجامعات وتعزيز قدراتها العلمية والتربوية وإعادتها إلى المواقع التي تستحقها بين جامعات العالم يتطلب تشخيص مكامن الخلل التي أفرزتها ظروف السنوات الطويلة من الحروب والحصار والإرهاب ، ثم البدء بوضع المعالجات الصحيحة وفقاً للأولويات ، ولا سيما أن موازنة العراق تعاني من اهتزازات واضحة بسبب تراجع أسعار النفط وركود الاقتصاد العراقي أحادي الجانب . من السهل أحيانا إعادة البنى التحتية وإقامة المباني الجامعية بأفضل المخططات المدنية وبناء المدن الجامعية الا أن الصعوبة الحقيقية تكمن في إعادة بناء” الانسان والمنهج ” وهما محوران أساسيان في التعليم العالي ، بدونهما لا يمكن الإرتقاء بالعملية التعليمية أو مواكبة التطور ومواجهة التحديات . معادلة صعبة ، تحتاج أكثر من وقفة تأمل ، تبدأ بإعادة الثقة لهذه الشريحة ودورها في تطوير المجتمع . .. ما يؤشر وجود حاجة أساسية إلى برامج علمية أخلاقية ، لتعزيز القيم الجامعية والولاء الوطني وتحفيز الطموح لدى هذه الفئات الثلاث بوصفها البداية الحقيقية للنهوض بالمجتمع والسياسة والاقتصاد الوطني، ما يعني ضرورة العمل على تعزيز روح الانتماء والولاء للعلم والوطن ، ويعني التحفيز وتهيئة سبل تطوير النتاجات العلمية والبحث العلمي والتوجه نحو المستقبل ، فضلا عن ترسيخ مفاهيم الشفافية في الأداء والإخلاص في الواجب العلمي والتربوي وبث مبادئ التعاون والعمل بروح الفريق الواحد تحت برنامج ” مجتمع العلم والمعرفة ” الذي ينبغي أن يتميز عن فئات المجتمع الأخرى بوحدة توجهاته والتفاعل المشترك باتجاه الإبداع والمعرفة والتطوير .وذلك يعني باختصار ..” العودة الى الجذور ” وتلك السمات التي تميّز بها المعلم والأستاذ الجامعي والطالب عبر مراحل التاريخ في العراق . معادلة أكثر صعوبة ، تتطلب التخلص من عقدة التأثير السلبي في بعض المناهج الدراسية واختراقها لأهداف مرتبطة بالسياسة أحياناً ، كما كان الأمر سابقا” ، أو أهداف مرتبطة بالخوف من المستقبل وفقدان الثقة بين الأطراف والأطياف المتعددة ، كما يحصل في الظروف الحالية … ما يستدعي اتخاذ مجموعة من الإجراءات ذات الطابع الفكري المستقل ، ومن ذلك التوجه لبناء مناهج دراسية يكون أساسها العلم وحب الوطن والمحبة وتعزيز متطلبات الدين ، وفقاً لاسس مهمة من ابرزها احترام الأديان وتكامل رسالتها ، في إطار مناهج الدراسات الاسلامية والعلوم الانسانية باتجاه تعزيز قيم التوحيد والتسامح ونشر المحبة والجمع بين كل ما يوّحد الأديان و المذاهب والأطياف داخل حدود الوطن . فضلا عن الاهتمام بمواكبة حداثة المناهج الدراسية في العالم والتطوير بمستويات متقدمة ،تستهدف الممازحة بين تاريخ وتراث وحضارة العراق وما يحدث من تطور علمي في جامعات العالم ومراكزه العلمية التعليمية والبحثية الرصينة ضمن إطار مبادىء الجودة والاعتماد الأكاديمي . إن إصرار الإرهاب على هدم كل ما بناه العراقيون يدفعنا للتحدّي بقوة في سبيل إعادة إحياء تراثنا وحضارتنا وتدعيم أسس الحاضر وبناء المستقبل .وإن تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية يتطلب إعادة بنى تحتية تتميز بالعمق الحضاري وتُستمد من روح العصر في آن واحد . ما يعني أن لا يكون البناء تقليدياً ، وأن لا يتأثر بما حاول الإرهاب أن يزرع فينا من آمال مفقودة وأفكار مشتتة . وعلى العكس ينبغي أن نفكر بتوجيه الجهد الهندسي والجهد العلمي والجهد التربوي للتفاعل المشترك ، من أجل إعادة بناء مدن جامعية تتوافر فيها متطلبات العصر وعمق التأريخ والحضارة العراقية .ينبغي أن يكون البناء شامخاً دونما أية خدوش تسببّت فيها قوى الإرهاب ، وعلينا أن نستعيد عافيتنا بالمضي الى أمام دونما التفاته الى ما جرى في الماضي … تلك هي الحكمة في مواجهة الإرهاب ومواجهة التحديات .


















