التطوّر بين الأجيال والقيم الثابتة – نهاد الزركاني

التطوّر بين الأجيال والقيم الثابتة – نهاد الزركاني

يظن كثيرون أن التطور يتطلب التخلي عن القيم أو الانفصال عن التقاليد، وأن الأجيال الجديدة بالضرورة على صدام مع الماضي. والحقيقة أن التطور الحقيقي لا يعني رفض الجذور، بل القدرة على إعادة صياغتها بما يتناسب مع متغيرات العصر، من دون أن نفقد الجوهر الأخلاقي الذي يحدد هويتنا. فكل جيل يأتي بأسئلته، بإبداعه، وبطاقته لتجديد أدواته ومناهجه، لكن المبادئ الأساسية (( العدالة، الكرامة، الصدق، والانتماء ))  تبقى ثابتة لأنها جزء من نسيج الإنسان نفسه.

المجتمع المتطور ليس الذي يتخلى عن قيمه، بل الذي يحميها ويعيد توظيفها في مؤسسات حديثة، وقوانين عادلة، ووعي جماعي قادر على قراءة العصر بذكاء. القيم هنا ليست قيودًا، بل إطار يسمح للتجديد أن يكون واعيًا وبناءً، لا عشوائيًا أو فوضويًا. هي تمنح التطور ثباتًا أخلاقيًا، وتحوّل الطاقة الإبداعية للأجيال الجديدة إلى قوة إنتاجية ومسؤولة، بدلاً من أن تتحول إلى فراغ يهدر إمكانيات المجتمع.

عندما يتعلم المجتمع كيف يوازن بين ((الأجيال المتغيرة والقيم الثابتة)) تتولد معادلة نادرة: [تجديد يحافظ على الجذور، وأصالة تُتيح المستقبل]في هذا التوازن، يصبح الإنسان والمجتمع قادرين على مواجهة التحديات، وصياغة رؤى جديدة، والمضي قدمًا نحو التطور دون التضحية بالهوية أو الأخلاق. التطور إذن ليس حدثًا مفاجئًا، ولا مجرد تقليد للغرب، بل هو مسار واعٍ يبدأ من فهم الجوهر، واحترام القيم، وتنمية القدرة على التجديد الذكي. القيم الأخلاقية ليست عائقًا، بل الشرط الأول لاستدامة التطور، وللحفاظ على الهوية حية، والمستقبل ممكنًا.

وفي النهاية، يدرك كل مجتمع واعٍ أن التقدم لا يُقاس بسرعة تقليد الآخرين، بل بقدرته على أن يولد كل جيل رؤية جديدة دون أن يفقد ضوء القيم الثابتة، فيصبح التطور ليس عابراً  بل متجذرًا في عمق الروح الإنسانية.