البصرة في عيون الرحّالة الروس
بورتر سندباد بري عاش في العراق وتزوّج لولو وأنجبت له الروائية أمل
عــلاء لازم العيـسى
البصرة
بالرغم من تباين غايات الرحّالة الأجانب الذين وفدوا إلى العراق، إلا أن ما كتبوه عن المدن والقصبات التي مرّوا بها لا يخلو من فائدة ومتعة لما امتازت به هذه الكتابات من أبعاد تاريخيّة، وجغرافيّة، واجتماعية، وفولكلوريّة، كالإشارة إلى عدد السكّــان وإن كان تقريبياً، وطراز البيوت وبقيّة الأبنية، والممارسات الاجتماعية والعادات والتقاليد، والطقوس الدينيّة المختلفة، والصناعات الشعبيّة، وأنواع الألبسة، وغيرها.
ومن الرحالة الذين زاروا العراق وكتبوا عنه هم الرحالة الروس، و(إيفانوف تسيكولين) هو أقدم من وصله منهم .
توجه (تسيكولين) إلى إيران في سنة (1808م) لغرض التجارة، ثم قرر في طريق عودته إلى بلده أن يزور فلسطين، وفي طريقه مرّ ببغداد وقد وصفها بقوله : (إن موقع مدينة بغداد في فضاء سهل ومنبسط، وبهذه الصورة إنك لا تجد في جميع أنحاء المدينة وضواحيها أيّ وادٍ أو تل أو رابية، وإن مدينة بغداد في الوقت الراهن تقع على نهر الشط وقد بُني عليه جسر نشط يستند على أعمدة مبنية على الطريقة العربية)، كما زار البصرة، وسجّل في مذكراته ملاحظات عن النخيل وثمرة التمر، قائلاً : (ينضج فيها ثمر من حيث مظهره يشبه بشكل واضح جوزة البلوط، أما عن طعمه، فلا أعلم شيئاً) .
ومن بغداد مشى (تسيكولين) سيراً على الأقدام حتى مدينة (القدس)، ثمّ زار مصر، وبومباي، ومسقط، وجدة، وانكلترا، ثم توجه عائداً إلى روسيا .
وفي سنة (1842م) قام مستشرق روسي آخر هو (ديتيل) وكان في التاسعة والعشرين من عمره، ببعثة علمية إلى الشرق لغرض إتقان اللغات الشرقية، زار خلالها عدداً من البلدان الشرقية ومنها العراق، فدخل مدينة الموصل وزار الشيخ عادي، ثم عرج على منطقة كردستان، وقد اهتم بشكل خاص بالدراسات التي تخصّ الجانب اللغوي والأتنوغرافي، وركز اهتمامه على وصف القبائل المتعددة المختلفة من حيث لهجاتها، وعدد القبائل، والآثار الباقية في كردستان .
أما المستشرق (بيريزين) فبعد مروره بجميع أنحاء إيران، اتجه إلى البصرة فوصلها في منتصف سنة (1843م)، ووصف طريقه في (شط العرب) وتكلم عن بساتين النخيل المتاخمة لضفاف النهر والتي لا نهاية لها، (ولكن بالرغم من ذلك، نرى الغابات الزاهرة هنا خالية، لأن الإنسان يرحل منها ويتركها، انه يهرب من استبداد الترك، وإذا كان هناك بعض القرى فإنها تقع بعيدة عن ضفة النهر) .
وبعد أن مكث (بيريزين) مدة شهر في البصرة توجه على متن باخرة انكليزية إلى بغداد، وفي أثناء وجوده في بغداد زار خرائب طيسفون، وبابل، ومدينتي الحلة وكربلاء، وكتب عن كربلاء، فقال : (توازي مدينة كربلاء بسعتها مدننا التي هي مراكز أقضية، أما عدد السكان هنا فهو أكثر بكثير مما عندنا، وذلك لأن الشوارع في البلدان الشرقية أضيق بكثير من أزقتنا، والدور تُبنى غالباً متلاصقة الواحدة بالأخرى، وفي جميع مدينة كربلاء لا وجود للساحات والميادين، يحيط المدينة سور من الطابوق المجفف باشعة الشمس وهو في صفين، الصف العالي يكون بمثابة مدارج ومشارف، وأما الصف الواطئ يتكون من أقسام أمامية خالية ومكشوفة، يُفصل بعضها عن البعض بالحواجز) .
وفي أيلول سنة (1843م) توجه بيريزين إلى الموصل عن طريق كركوك وأربيل، وكتب عنها قائلاً : (للموصل مزيتها أيضاً، كما لبغداد، وحلب، ودمشق، فهي رمادية اللون، لأن جميع مساكنها وبناياتها مبنية بالحجر الرمادي، وبالمرمر المحلى وهو في لون رمادي أيضاً، ولفن العمارة فيها خصائصه المتميّزة كذلك ؛ وإن قباب المساجد في بعض الأماكن مخروطية الشكل، …، والأكثرية الساحقة من السكان هنا هم من العرب سكان المدن، الذين يختلفون عن سكان الصحراء البدو ؛ أما العثمانيون فهم في العادة ينحصرون في الموظفين وإلى حد ما الجنود، …، والكرد يشكلون قسماً كبيراً من السكان، ثم المسيحيين من الكلدان واليعقوبيين والنساطرة، واليهود، وأخيراً يوجد هنا الأوروبيون أيضاً)، ومن الموصل توجه بيريزين عن طريق نصيبين وماردين إلى ديار بكر .
أما عن زيارة العقيد (جيريكوف) للعراق، فلما قضت المعاهدة الموقعة في أرضروم سنة (1847م) بين تركيا وإيران عن تخطيط الحدود، بأن تحديد الحدود الدولية سوف يتم بإشراف لجنة خاصة بالاشتراك مع ممثلي الدول الأربعة : روسيا، وانكلترا، وإيران، وتركيا، كان العقيد (جيريكوف) هو المندوب المفوض والوسيط الروسي، وقد حددت بغداد لتكون مكاناً لالتقاء جميع الممثلين في اللجنة للأطراف الأربعة.
ممثلو روسيا
توجّه (جيريكوف) ورفاقه من ممثلي روسيا من القسطنطينيّة بحراًحتى سمسون، وعن طريق أماسيا، وتوكات، وسيواس، وملاطية، وديار بكر، وماردين دخلوا مدينة الموصل في (24 / 4 / 1849م)، ثم خرجوا من الموصل في (10 مايس) من نفس السنة، وعن طريق دجلة إنحدروا نحو بغداد على متن (كلك) كبير جداً، كان قد صُنع بصورة خاصة لهم من (500) قربة، مع أكشاك كمأوى ومظلة كبيرة عامة، وقد قامت اللجنة في بغداد خلال سبعة أشهر بمباحثات تمهيدية، وفي هذه الأثناء زار جيريكوف خرائب بابل، وطيسفون، ومدن كربلاء، والنجف، والكوفة، ومنطقة المجرى الأسفل لنهر الفرات، ثمّ توجهت اللجنة في كانون الأول سنة (1849م) على ظهر البواخر في نهر دجلة وشط العرب حتى الخليج العربي، وقد أنهت اللجنة في تشرين الثاني سنة (1852م) أعمالها في تخطيط الحدود التي استغرقت أربع سنوات .
لقد وصف جيريكوف بعض المدن التي مرّ بها، والطرق وقام برسمها، ووضع التخطيطات اللازمة لها كلّما سنحت الامكانية والفرصة، فمثلاً وصف بغداد فقال : (إنّ بغداد محاطة بسورٍ مرتفع، وقد تهدم من الجهة الشرقية منذ فيضانات سنة (1831م)، ولا يوجد هناك أيّ مسجد فخم من حيث البناء، ولا توجد منارة أو مئذنة جميلة ؛ وهي جميعها غير عالية، وثقيلة، ولا ذوق في أبنيتها، وهي مغطاة بشكل عام بترابيع إعتيادية، والحمّامات رديئة وقذرة، …، والاسواق قديمة، إلا أنّ أبنيتها جيدة، والممرات فيها تحت القناطر والقباب، أما البضائع والسلع الموجودة في الحوانيت فهي متواضعة، واحياناً فقيرة تعلوها الأتربة والأوساخ، والأعمال فيها جامدة، أما الشوارع فهي جيدة، والقسم الأكبر منها عبارة عن أزقة وحارات ضيقة) .
كما أعار أهمية خاصة لمدينتي النجف وكربلاء : (تشتهر هاتان المدينتان كربلاء والنجف عند الشيعة باسم (عتبات الأئمة)، تتوجه إلى هنا ومن جميع البقاع التي يسكنها الشيعة وبدون إنقطاع قوافل الحجيج التي لا تعد ولا تحصى، وهم يحملون معهم هدايا كثيرة إلى المسجدين من النقود والأشياء، وغالباً ما تكون الهدايا ثمينة جداً).
سيرل بورتر .. السندباد البرّي
بريطاني الجنسية من أصولٍ فرنسيّة، جاء ضمن الحملة البريطانية التي احتلت العراق في الحرب العالميّة الأولى سنة (1914م) بوصفه مهندساً مدنيّاً، لكنه ما لبث أن أحبّ امرأةً عراقيّةً مسيحيةً وتزوّجها، واتخذ من العراق سكناً له .
ولد (بورتر) في بريطانية سنة (1895م)، ثم انتقل مع أهله وإخوته إلى السكن في الهند، دخل البصرة مع الحملة البريطانيّة بعد احتلالها بـحدود شهر، لكنه ـــ بحكم عمله ـــ تجوّل في أكثر ألوية العراق، مثل : العمارة، وبغداد، وكربلاء، والرمادي، والموصل، وكركوك، وغيرها، وارتبط أخيراً ببغداد، وسكن فيها حتى وفاته سنة (1967م) ودفن فيها.
تزوج (بورتر) من امرأتين عراقيّتين، الأولى هي (غزالة) مسيحيّة كلدانيّة عاش معها أجمل الأيام، توفيت سنة (1931م) لإصابتها بمرض السلّ بعد أن خلّفت له ثلاثة أولاد، والثانية مسيحيّة أيضاً، تزوجها سنة (1932م)، وهي في السابعة عشر من العمر، واسمها (لولو فتح الله)، وهي ابنة عم صديقه (إسطيفان)، سكن معها في منطقة (باب المعظّم) ببغداد في بيت تابع لأمانة العاصمة، كما أنهما قضيا جزءاً من حياتهما الزوجية في كركوك ؛ حيث تركت لولو لبس العباءة وأسفرت تماماً فكانت أوّل امرأةٍ في كركوك تسيرُ سافرة .
كان بورتر يمتلك خزيناً لا بأس به من الثقافة العامة، سببها معرفته بأكثر من لغة، كالأورديّة، والعربيّة، والإنكليزيّة، لغته الأم، فضلاً عن امتلاكه دماثة أخلاق وانبساطية جعلته يختلط مع أغلب طبقات المجتمع العراقي، وخاصة الطبقة الشعبية منها، ويحظى بحياة اجتماعية جيّدة، وقد وثّق حياته في العراق من خلال رسائله التي كان يكتبها إلى أخته (دورا) وإلى (جاك وجورج) وقد ترجمتها ونشرتها ابنته الفنانة التشكيليّة والكاتبة المعروفة (أمل بورتر)() سنة (2008م)، تحت عنوان (العراق ما بين الحربين العالميتين من خلال رسائل سيرل بورتر)، وهي رسائل تستحق العناية ؛ لما تحمل في طيّاتها من تفاصيل وأسرار وتواريخ لشاهد عيان عاشها وتعايش معها من الألف إلى الياء.
كانت البصرة أول مدينة عراقيّة زارها (بورتر)، وذلك بعد احتلالها من قبل البريطانيين بأسبوعـين، وكانت (الفاو) المحطة الأولى، وقد صُدم بشدّة شمس الفاو ؛ لأنها تختلف عن شمس بنكلور، فكتب في رسالته إلى اخته دورا : (بعد أن رست الباخرة قرب الشواطئ الرمليّة، حاولت أن أمدّ بصري ثانية عبر البر إلى الأمواج، فلم استطع ذلك لشدّة الشمس، فهنا تختلف عنها في (بنكلور)، فهي لا تسبّب صداعاً فقط بل تعمي البصر والبصيرة، وتمنعك من النظر لعدّة ساعات).
ثم زار العشّار والمعقل وأبا الخصيب والقرنة، وتحدّث عن شجرة آدم، وعن وسائط النقل المائي (المهيلة والطرّاد والدوبة)، وتمر (البربن) الذي يفضّله على بقيّة أنواع التمور، و(الفالة) أداة صيد الأسماك، كما لم يفته أن يعرّج على ذكر الرز العراقي ورائحته الطيّبة وطعمه اللذيذ، ومن أشهر المقاهي التي ذكرها (مقهى السيف) ـــ بكسر السين ـــ في البصرة والتي أطلق عليها جنود الانكليز (بورصة البصرة) ؛ لما كان يُعقد فيها من صفقات ومضاربات .
ومن الشخصيّات النافذة التي لفتت انتباهه في البصرة هي شخصيّة شيخ الزبير، فقد زاره ضمن فريق من الرجال والنساء أختارهم القائد الإنكليزي لإبهار الشيخ المذكور ؛ لكنهم صعقوا(بجلالة مظهره، وبملابسه الحريريّة المطرّزة بالخيوط المذهّبة، وعقاله، وبالصقر الجالس على كتفه، والسجّاد العجمي الأنيق الملقى على الأرض الترابيّة)، كما أبهرهم بكرمه فقد أعدّ لهم : (وليمة ضخمة حقّاً، فالخراف الكاملة المحشوة بالرز وانواع من الخضار المطبوخة، وأوراق العنب المحشيّة وطاسات اللبن، والأسماك الكبيرة المشويّة، وكميّات هائلة من البيض المسلوق، وأنواع عديدة من الفواكه)، كما أشار (بورتر) إلى مجالسه التي يرتادها أهل البصرة وحائل والكويت ونجد والحجاز وغيرهم (ففيها تعقد الصفقات وتتم الزيجات وتفرض الضرائب والإتاوات، وآخر أحاديث القشبة والنفاق السريّة والعلنيّة تحكى في خيمته هذه، وتنتشر بسرعة إذا أريد لها ذلك).
وبعد عمله في البصرة، كتب إلى دورا سنة (1918م) : (ما زلت في البصرة، بدأت أحبّ هذه المدينة، خاصة بعد العيش غير المتواصل فيها فترة أكثر من عام، أخذت اختلط بالأهالي رغم تحذيرات القوّات لنا، إلا أنّني أجد أهل البصرة ناساً مرحين يستذوقون النكتة ويحبّون المجاملة)، كما انّه لم ينس أن يروي لها ـــ في نفس الرسالة ـــ قصّة الفرهود، وسرقة أهل البصرة لمخازن الجيش العثماني، وبيعها بأسعار بخسة على الانكليز .
وتكلم عن مرفأ البصرة، ومحطة القطار، وارتفاع أسعار الأراضي، قائلاً : (بعد أن تمّت سيطرتنا، أصبح ميناء البصرة شبه كامل، عادت التجارة، وباتت القوّات تفرض الأمن والنظام والرسوم الكمركيّة، وهناك نيّة إلى توسيع مرفأ البصرة ليحتل مساحة تزيد عن (2500) دونم، على أن يُدار من قبل لجنة من القوّات، وترتبط البصرة الآن بسكك حديد منتظمة من وإلى القُرنة والعمارة وبغداد.
اقامة طرق
تُباع الأراضي هنا لغرض إقامة الطرق، وتوسيع محطّات القطار والميناء، وترتفع الأسعار بشكل مُذهل، ويستفيد من ارتفاع أسعارها الملاكون الكبار، أعمال البناء تتم بسرعة وكلّ يوم نجد مبنى جديداً قد ارتفع .
قواتنا ما زالت هنا بأعداد كثيرة، وميناء البصرة يعجّ بالحركة والحياة، وتسمع أسماء التجّار من آل الخضيري، وباش أعيان، والنقيب، والخطيب، والخ، وأفراد هذه العائلات يقيمون صِلات وثيقة جدّاً مع أفراد قواتنا، وأحياناً كثيرة أكون جالساً، وأقوم بالترجمة، فأكثر القادة لا يعرفون العربيّة).
وفي رسالة أخرى كتبها إلى أخته (دورا) سنة (1918م)، تكلم فيها عن بعض صفات أهل البصرة ، قائلاً : (وللبصرة نسيجها الخاص المتكوّن من قوميات، وأجناس متباينة، بحكم موقعها، كون البصرة ميناء ومحطّة تربط الصحراء بالمدينة، ففي السوق تسمعين اللغات المختلفة، وتجدين البضاعة التي تنفرد بها البصرة، يُحبّ الأهالي أكل السمك كثيراً، ويصنعون منه الحساء اللذيذ، وأجد هنا بعضاً من الحريّة في الحركات والعلاقات الاجتماعيّة، الحياة حيويّة أكثر من بغداد، فالاقتصاد قد فرض شروطه على الناس كما يبدو، وأهل البصرة يُحبّون السفر والتجوال).
ينظر : المقدمة التي كتبها د . علي ثويني لكتاب : (العراق ما بين الحربين العالميتين من خلال رسائل سيرل بورتر)، تحرير وتعريب أمل بورتر ص9، ط1، دار ميزوبوتاميا، بغداد 2008م، ومن الكتاب نفسه استقيت بقية المعلومات .
من زوجته الثانية لولو، ولدت أمل بورتر الروائية والتشكيلية والناشطة الإنسانية في بغداد في سنة 1941م وتخرجت في معهد الفنون الجميلة ببغداد وتزوجت من المخرج التلفزيوني يوسف جرجيس حمد، هاجرت من العراق سنة 1989م وتخصصت بدراسة الفن وتاريخه لها كتب مطبوعة منها : رواية دعبول، والبلابل لا تغرد، ومذكرات أميرة بابلية، ومختارات من أشعار لاوتسه . المعلومات مستقاة من مواقع الكترونية متفرقة .


















