الا إن شر البلية ما يدمي – مقالات – مؤيد السعدي
يقول الكاتب الانكليزي غراهام كرين ” ان الشك هو جوهر المسألة وما يتبقى بعد الشك هو الايمان المطلق “
ابتلينا بالأصوليين ، فئة التعصب والمتعصبين ، يعتقدون انهم يعرفون كل شيء تلك الفئة القليلة تسيطر بحالة من الجنون على عقلية الغالبية الشاسعة الصامتة ، لم أجد أصولياً من هؤلاء يطرح سؤالاً ، إلا وأجاب عليه ، حالة من الاقتناع بمعرفة الحقيقة ، وتحويل هذه القناعة إلى حتمية ، تتحول بدورها إلى دوغمائية مقيته ، سلوك برهاني مصحوب بالتعالي والغرور ، في كونهم – هم فقط – على حق ، تلك السخرية السخيفة ، ليست إلا كرة سوداء ضخمها التاريخ بما حمله من قصص وخرافات ، أستخدمها الأصوليون من النصارى ، لتكفير غيرهم ويستخدمها المسلمون الان لتكفير الاخر ، (محمد) ، لم يقتصر أمره على تلك الليلة في الجبل ، كانت أغلب حياته يشوبها الشك والتساؤل والبحث الدائم عن الحقيقة ، والقران كان يحثه دوما أن لا ييأس ، ويدين أولئك الذين يعلنونها صراحة ، أنهم يعلمون كل شيء وأنهم وحدهم هم فقط على الحق .
إن كل ما يجري سببه ترسيخ العقيدة الاصولية ، القائمة على الاعتقاد الحتمي بالحقيقة ، وهذا يتعارض مع حتمية أصولية أخرى، وكل منْ يتكلم عن حوار حضارات ، هو في حقيقة أمره يواجه كرة عملاقة يدحرجها التاريخ ، نجح الغرب عندما حولوا ذلك التاريخ الملتهب الى جبل من جليد فلم تنجح كرة النار بالتدحرج كيفما تريد ، عندما رجعوا للشك والتساؤل ، واقتنعوا اخيرا باللا يقين ، واللا حتمية ، وإن كل فئة دوغمائية هي عوراء في مجتمع مبصر. من الطبيعي أن يتعرض هذا المجتمع المفتوح لنقد الاصوليين ، فهدفهم الاساسي هو الاستحواذ على السلطة ، وكل ما من شأنه أن يحقق هذا الهدف هو مباح ، لذلك فأن الخطاب الاصولي المتعصب للجذور والتهويل والترهيب ، والجزم بالحقيقة ، ليس إلا غطاء لفساد عظيم هدفه سلطة مطلقة. كما يقول كارل بوبر: ” أن السلطة مفسدة ، ومن ثم فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة وفقاً لعبارة اللورد آكتون الشهيرة ” . ابتلينا بالكثير ممن اتقن هذا الفن ، وصدع رؤوسنا بالخرافات ، حتى بات الفرد في المجتمع العربي نصفه مجنون والنصف الاخر يفكر بالمجنون ، فكيف لنا أن نصف الاف من الارهابيين الذين يرمون بأنفسهم في احضان الموت، من أجل خطاب أصولي، في وقت تعيش المجتمعات الغربية صراع التكنولوجيا والحضارة . أصبح المجتمع العربي تحديداً بلا هدف في صراع دائم مع طواحين الهواء ، فقد أصبح العربي ( دون كيشوتي) الطابع والسلوك ، هذه الارادة المصرة على اغتراب المجتمع العربي ، هي نفسها من تصر على أنها تمثل الحقيقة المطلقة، وهي وحدها من تستطيع أن تحقق العدل الالهي ، فكل فرقة أصولية تطلق خطابها التحريضي القائم على معرفة الله ، وهي في حقيقة أمرها قناع لفساد السلطة .
أبتلينا بلباسهم وطريقة كلامهم ومظهرهم الذي يصبغ مرجعيتهم الاصولية ، ليس هذا فحسب بل أصبح صراعهم يمثل صراع المجتمع . فالحاكم الذي يتبع فرقة أصولية يعتقد جازما انها الاصح ، وينعكس ذلك على التمييز الطائفي والعرقي في المجتمع ، وأكثر من ذلك إلى صراع أقليمي ، يتكاثر بشكل مخيف مثل كرة اللهب .
ابتلينا بما هو أعظم ، ابتلينا بقطع الرؤوس واغتصاب النساء بامر الله وتخويل بشريعة الاصوليين ، ويحلو للكثير من هذه الطائفة أو تلك ان تصدق ليس بقناعة ولكن نكاية بالآخر ، فعلاً كان نجاح باهر لإستراتيجية التفتيت الطائفي ، وصراع الهوية واستغلال الازمات التاريخية والخرافات الازلية لشعوب تنام اكثر مما تنتج ، ويحلو لها ان تستهلك نتاج الغرب حتى فيما يمنحها فرص الموت البطيء بقبول مفرط بالسخرية ، حتى أن المجتمع الواحد أصبح مفتت النسيج مغترب الهوية ، معصور الانتماء ، مسلوب الارادة. يختلف بتفسيره للاحتلال والاستغلال والبطش والتعسف ، والقتل المتسلسل. لا يستحي أن يتبع أصوليته بل يتفاخر بها ، بينما تعاني إنسانيته تقرحاً يحيل جمالها الالهي إلى قبح شيطاني ، لم يعد يهمنا ان نسأل انفسنا ونبحث عن الحل والنقاش والحوار والتساؤلات والتخيل.
فقد ابتلينا بمن يعرف كل شيء عن كل شيء حتى محرك البحث (غوغل) لا يجاري هؤلاء الاصوليين في معرفتهم ، ان الشعوب العربية في أزمة حقيقية ليس مع الاخر بقدر ما هي في ازمة مع ذاتها ومصيرها ، الذي علقته على الحمالة كما يعلق المعطف القديم ، فلا يهمها ما سيحصل ، لان الفرد العربي لا يفكر بالمستقبل قدر استذكاره الماضي فلم يعد المستقبل يعني له شيء ، وربما أصبح الماضي في نظره هو المستقبل ، فقد تشوهت الصورة ولم يعد يدرك اين هو من الزمن ، وهذا جزء من محو ذاكرة الفرد العربي . ربما نحتاج الكثير من الوقت لكي نحدد مكاننا في خارطة الزمن ، وربما نحتاج الكثير من التفاؤل لتخيل الصحراء القاحلة كأنها واحة خضراء ، وربما يلعن الله الاصوليين اينما كانوا وينجي ما تبقى من القوم ، وربما يطول الامل وتذهب سنين العمر ونحن نتفرج على عرض سينمائي مستمر وممل ليس لنا أن نغير شيء فيه فبقائنا أو مغادرة صالة العرض لا يعني شيء فالعرض مستمرشئنا أم ابينا . لكننا ورغم كل ذلك مازلنا نحتفظ بالكثير من الاحترام والتقدير لهؤلاء الاصوليين ، وما زلنا نعتقد أن خلاصنا لن يحصل إلا اذا احترمنا الله من خلالهم وأعتقد انها حالة نفسية تستدعي النقاش الطويل .. ألا أن شر البلية ما يدمي.



















