إلى جواد الشكرجي .. أوراق الكتاب لا تذبل ولا تذبل الأسماء – مقالات – حسن العلوي

إلى جواد الشكرجي .. أوراق الكتاب لا تذبل ولا تذبل الأسماء – مقالات – حسن العلوي

كما جرت عليه ساعات الهزيع الأخير، فأنا عند الثالثة فجراً وخفقة قلم تأخذني من السرير إلى الصرير.

إن القلم يسجد على ورق ناصع فيعطيه الحياة لألف عام وعام وهم يسجدون على أرض مغصوبة تسمى الخضراء وهم يعلمون أنها خضراؤنا.

ان القلم يصلي الفجر منذ ستين عاماً لا ينقطع حيث قطرة الحبر تسقي موات الورق فتعيش وتموت أوراق الشجر الحية ألا ترى القلم ينجب الحياة في الكائنات الميتة وإلا كيف يعيش ورق الكتاب الف عام.؟

منذ جواد الشبيبي الذي كتب رائعته في أم كلثوم فقيهاً وشاعراً ينجب جملة شعراء ونخبة زعماء. ومنذ جواد علي الذي كتب (المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام). ومصطفى جواد حارس اللغة وصاحب خطط البغدادية حتى علي جواد الطاهر وأوراق الكتاب لا تذبل ياجواد ولا تذبل الأسماء.

وللقلم صوت ولا كصوت الديك رمزاً جواهرياً لزوال الظلام والدخول في نور النهار. لمن أكتب وقد اغلقت صفحات كتابي (الأرض والإستبداد) وأنا بين طباعته أو تركه مخطوطاً فنحن ندفع للناشرين فوق جهدنا وعقلنا ووجداننا ما يعرضه فقراء الأرصفة في شارع المتنبي فلا نصيب لهم ولا نصيب لنا. اكتب لك جواداً، رجلاً، وجداناً، وعقلاً ، وضمير فن. نحن في عشرين أخوة منها اخت الوجدان المتحد مثل لحاء التوت، وأنا مثلك أقيم في معموريتي وأنت في معمارية آهلة بأهلها. مأهول بالناس مهموم تتزاحم في صدرك طرق وتتقاطع طرق فلا الطريق ينتهي ولا الصدر يضيق. ولا سيولة الإنسان في وجدانك تتوقف وبين جمود الراهن السياسي وسيولة الإبداع فصلت السيولة لأنها الحياة. ومن الخطوط المرسومة على الوجه أخترت المتشابكة وتركت خطوطاً سهلة سائبة لا تلتقي ولا تتقاطع ولا تزدحم ولا تصطدم!.

تستوعب الدور ونقيضه وتحيل الشرير إلى راهب في دير عادي مثل بقية الناس. وبدور الشرير تصحو عندك الحياة على الخير. وبدور اهل الخير يتفرج الأشرار على مصارعهم، لكننا لم نشمت لأننا من طينة البشر وهذا انت في هذا الفن المرتبط بما هو حي وثمين في الإنسان. باللسان الضمير الأصغر وبتعابير الوجه الطالع على الناس بالصوت والحنجرة وحركة اليدين وهمس القدمين وطيف حزن ام طيف سعادة لا تخفيها ولا تظهرها عبقرية مخرج يبقى الممثل كما يبقى الأديب. والفنان مجموعة بشرية في نفس واحدة نعم إنك مجموعة من البشر ولست قائداً كما يريده سلطان قديم أن الكلمة تخرج سائلة من حنجرة لا تضخم الحروف لان الممثل ليس له زئير ولهذا أراك لا تزم على الشفاه كي لا تبدو مثل زحفلة البعير هكذا كان شيخك يوسف العاني ومن هم عندك داخل في مستقر الداخل. إلى ما وراء الوجه وخطوطه والعين وإشراقتها الدامعة والجفن الرخي مسبولاً عليها. جواد الشكرجي من يوسف العاني ومن خليل شوقي لكنه ليس من سلالة البصري سليم فهذا البصري المعوق مخلوق الكوميديا وخالقها وانت مخلوق النبرة الهامسة وخطوط التراجيديا تتسابق على وجهك الذي يذكرنا بممثلين ليس من بينهم عربي فيبحث عنك المخرج لهذه السمة. فكن عند حسن إختياره. وأياك والكوميديا إلا إذا كانت على طريقة عبقري المسرح العراقي يوسف العاني. معذرة عن هذه الفضولية التي تحشرني محشر الناقد المسرحي لكني أبيحك سراً فقد تدربت في العشرينات من عمري وأيام العهد الملكي على النقد السينمائي عند مقال أسبوعي كان يوسف العاني ينشره كل سبت في جريدة (الأخبار) البغدادية وفيه يستعرض أفلام الأسبوع ناقداً من الطراز العالمي حيث قاعات السينما كانت صوامع وبيعاً فسقطت، وسقطت الدنيا البغدادية بسقوط القاعات، وأغلقت الحياة أبوابها بإنقلاب الخيام وروكسي وبابل والنصر وغرناطة. كان البديل عنها جثثاً ومقابر وشاشات تيشر بالموت وتتلمظ بالإنتقام وفي العراق الجديد أيها الفنان البعيد تاكل الخلايا الصغيرة أجسادنا وكل صغير في هذا النظام قد تعود على قضم الكبير ومنها الشاشة الصغيرة التي إبتلعت شاشتنا الكبرى.

والحمد للسنين التي تراكمت على ظهري فلم تعد بقية الزمن ثقيلة ودام لك الزمن المثقل بالهم والقلــق.