أيها الولد الرسالة الرابعة والأربعون – مقالات – ناجي التكريتي
اعلم ان الانسان في أي يوم من ايام سني حياته، وفي أي مرتكز يقف عليه، خلال مسيرته الحياتية، فانه مشدود الى ماضيه، وهو في الوقت نفسه مندفع الى الامام.
لا خلاص من ذلك ولامناص، لان مايميز الانسان انه حيوان ذو تأريخ، وهذا التأريخ مترابط الحلقات، لايمكن كسر حلقة واحدة لا بالافراط ولا التفريط بها، في اية حالة من الحالات.
لا يتخلص من هذه الحالة راعي الابل في عرض الصحراء، ولا العالم في مختبره، ولا الحكيم الجالس في مكتبه، وهو يغرق راسه في بطون الكتب.
انها طبيعة بشرية تركزت في جبلة الانسان منذ ان كان له وجود، وربما هو قد تطبع عليها منذ ان إقتنى الانسان العقل وانفصل عن ابن عمه الحيوان، أو قد اكتسب الانسان هذه العادة منذ ان خرج من اعماق الغاب وبنى المدن وتحضر واستأنس باخيه الانسان.
انا ادرك جيداً انك امام معضلة مزمنة، ما تنفك تلح عليك، بل هي تضغط عليك بالقدر التي تتأمل فيه حياتنك وتحاول ان تسبر غور وجودك، ومن اين اتيت والى اين انت ذاهب في مستقبل الايام.
ايها الولد..لا استطيع ان اقول جازماً ابتعد عن هذا التفكير فهو ليس في صالحك، لانه يشغل عليك بالك، وقد يؤخرك او يلهيك عما أنت بصده من انجاز عمل او تخطيط مشروع.
في الوقت ذاته، فليس من المروءة ان انصحك بوجوب من تذكر ما كنت فعلت في الايام الماضية، واشغل وقتك في اعداد العدة لمستقبل الايام.
ايها الولد .. كن حازماً في التعايش مع طبيعتك الانسانية من دون تسرع قد يربك عليك حالك، ومن غير انكماش قد يؤدي بك الى الخدر والخمول.
هذا هو انت فلا خيار ولا اختيار، والحكيم من الناس من يمسك العصا من الوسط – كما يقولون- فيحيا حياة متوازنة، ملؤها الفعل الايجابي، الذي يقدم نتاجاً ذابال.
ايها الولد .. أنت تقف في مركز وسط بين ماض ذهب وبين مستقبل ضبابي الرؤى مجهول السديم، فما عليك الا ان تأخذ من ماضيك وماضي غيرك عبرة، فتملأ ساعات يومك بالجد والاجتهاد والعمل المثمر، وتنظر الى باب المستقبل بكل تفاؤل وانشراح.
ليس من صالحك ان تقعد حسيراً متأسفاً على ما كان من قصورك، لانك لم تحقق شيئاً في ما ذهب من الايام، ولا تتوجس ريبة في قدرآتك، من انك ربما لا تستطيع ان تنجز ما تروم انجازه، فتذهب حياتك سدى، وتتبعثر الآمال مع الريح.
ايها الولد ..اعمل ما تقدر عليه خيراً من ان تبقى متفكراً بما مضى ومتأملاً ما سيأتي به الغد، من غير ان تقدم شيئاً. اعلم ان أي عمل تقوم به صغيراً كان ام كبيراً، سيكون رسماً من صنع يديك ووسماً من آثار حياتك، يذكر لك على مدى تعاقب السنين.

















